الإثنين 12 أكتوبر 2026 10:48 صـ 29 ربيع آخر 1448 هـ
موقع الصحة نيوز
×

علماء يرصدون الميثانول الثقيل في الفضاء لأول مرة

الإثنين 12 أكتوبر 2026 09:49 صـ 29 ربيع آخر 1448 هـ
اكتشاف الميثانول الثقيل في الفضاء
اكتشاف الميثانول الثقيل في الفضاء

اكتشاف فلكي جديد في الفضاء.. تلسكوب ألما يرصد نوعًا نادرًا من الميثانول قرب نجم وليد

اكتشاف فلكي جديد يفتح نافذة لفهم نشأة الجزيئات العضوية في الفضاء، بعدما تمكن علماء الفلك من رصد الميثانول الثقيل في محيط نجم أولي يقع على بُعد نحو 1000 سنة ضوئية من الأرض، في اكتشاف قد يساعد على كشف المزيد من أسرار الكيمياء التي تسبق تكوّن النجوم والكواكب.

وجاء الاكتشاف باستخدام مصفوفة أتاكاما المليمترية وتحت المليمترية الكبيرة (ALMA)، التي رصدت إشارة جزيئية مميزة قرب النجم الأولي IRAS4A2، الموجود داخل سحابة فرساوس الجزيئية.

وبحسب المعلومات الواردة عن الدراسة، تمثل الإشارة المكتشفة أول رصد مؤكد لجزيء الميثانول الذي استُبدلت فيه ذرات الهيدروجين الثلاث في مجموعة الميثيل بنظائرها الثقيلة، المعروفة باسم الديوتيريوم، مع بقاء مجموعة الهيدروكسيل محتوية على الهيدروجين العادي.

ويكتسب هذا الاكتشاف أهمية خاصة، لأن دراسة هذه الجزيئات تساعد العلماء على تتبع التفاعلات الكيميائية التي تحدث في البيئات شديدة البرودة، قبل أن تتشكل الأنظمة النجمية والكوكبية.

ما الميثانول الثقيل الذي اكتشفه العلماء في الفضاء

الميثانول هو أبسط أنواع الكحولات، ويُعرف بالصيغة الكيميائية CH₃OH، ويؤدي دورًا مهمًا في الكيمياء بين النجمية، إذ يمكن أن يشارك في سلسلة من التفاعلات التي تنتج عنها جزيئات عضوية أكثر تعقيدًا.

أما الميثانول الثقيل الذي رصده العلماء، فيُعرف بالصيغة CD₃OD وفق الوصف الوارد للاكتشاف، ويحتوي على الديوتيريوم بدلًا من الهيدروجين في مواضع الجزيء.

والديوتيريوم هو نظير مستقر للهيدروجين، تحتوي نواته على بروتون ونيوترون، بخلاف الهيدروجين العادي الذي تحتوي نواته عادةً على بروتون واحد فقط.

ويؤدي استبدال الهيدروجين بالديوتيريوم إلى زيادة كتلة الجزيء، كما يمنح العلماء وسيلة مهمة لدراسة الظروف التي تشكلت فيها الجزيئات والتفاعلات الكيميائية التي مرت بها.

ولا يعني وصف الميثانول بأنه «ثقيل» أنه مادة أكثر خطورة أو أنه يشكل نوعًا جديدًا من الكحول المستخدم في المشروبات، بل يشير إلى اختلاف كتلته نتيجة احتوائه على نظير أثقل للهيدروجين.

أين اكتشف تلسكوب ألما الميثانول الثقيل

رصد العلماء الجزيء قرب النجم الأولي IRAS4A2، الموجود في سحابة فرساوس الجزيئية، وهي منطقة في الفضاء تشهد مراحل من تكوّن النجوم.

وتقع هذه المنطقة على مسافة تُقدر بنحو 1000 سنة ضوئية من الأرض، ما يجعلها من البيئات التي يمكن للباحثين دراستها لفهم المراحل المبكرة من تطور الأنظمة النجمية.

وجاء الاكتشاف ضمن برنامج ALMA COMPASS، الذي يركز على دراسة الجزيئات العضوية المعقدة في النجوم الأولية باستخدام المسوح الطيفية.

وشمل البرنامج رصد 11 منظومة نجمية فتية، بهدف التعرف على المركبات الكيميائية الموجودة حول النجوم في مراحلها الأولى، وتحليل بصماتها الطيفية للكشف عن جزيئات جديدة.

وتسمح هذه الدراسات للعلماء بفهم طبيعة المواد الموجودة في المناطق التي تتشكل فيها النجوم، وكيف تتغير هذه المواد مع ارتفاع درجات الحرارة وتطور البيئة المحيطة بالنجم.

كيف تتشكل الجزيئات العضوية في الفضاء

تبدأ عملية تكوين كثير من الجزيئات في المناطق الباردة من السحب بين النجمية، حيث تلتصق الذرات والجزيئات البسيطة بسطح حبيبات الغبار الكوني، وتدخل في تفاعلات كيميائية بطيئة.

وفي هذه الظروف، يمكن أن يتشكل الميثانول من تفاعلات تشمل أول أكسيد الكربون والهيدروجين على أسطح حبيبات الغبار، ثم يشارك في تفاعلات لاحقة قد تؤدي إلى تكوين مركبات عضوية أكثر تعقيدًا.

وعندما يبدأ النجم الأولي في التسخين، ترتفع درجة حرارة المواد المحيطة به، ما قد يؤدي إلى تحرر بعض الجزيئات المتجمدة على أسطح الغبار إلى الحالة الغازية.

وعندها يستطيع العلماء رصد الإشارات التي تصدرها هذه الجزيئات باستخدام التلسكوبات الراديوية، ومنها تلسكوب ألما، الذي يعمل في نطاقات الموجات المليمترية وتحت المليمترية.

وتساعد دراسة هذه المركبات على بناء صورة أكثر وضوحًا عن تطور الكيمياء الفضائية، بداية من الجزيئات البسيطة ووصولًا إلى المواد العضوية المعقدة التي قد تنتقل لاحقًا إلى الأنظمة الكوكبية.

لماذا يهتم علماء الفلك بالجزيئات المحتوية على الديوتيريوم

تحظى الجزيئات التي تحتوي على الديوتيريوم باهتمام خاص في علم الكيمياء الفلكية، لأنها توفر أدلة على الظروف الفيزيائية والكيميائية التي سادت أثناء تشكل النجوم.

ففي البيئات شديدة البرودة، يمكن أن تصبح بعض التفاعلات الكيميائية التي تؤدي إلى استبدال الهيدروجين بالديوتيريوم أكثر كفاءة، ما ينتج عنه ارتفاع نسبي في وفرة بعض الجزيئات المُدَيْتَرة مقارنة بما قد يتوقعه العلماء في ظروف أخرى.

ولهذا السبب، يمكن أن يساعد تحليل نسبة الديوتيريوم إلى الهيدروجين في جزيئات معينة على تتبع تاريخها الكيميائي، وفهم ما إذا كانت قد تشكلت في سحابة بين نجمية باردة أو مرت بمراحل لاحقة من التطور.

ونقل التقرير عن عالمة الكيمياء الفلكية سيلفيا سبيكانو، المشاركة في البحث والباحثة في معهد ماكس بلانك لفيزياء خارج الأرض، أن دراسة الديوتيريوم تساعد على تتبع التطور الكيميائي للجزيئات خلال تشكل النجوم والكواكب.

وأضافت أن فهم هذه العمليات قد يساعد العلماء مستقبلًا على إعادة بناء مسار انتقال الجزيئات المعقدة من السحب بين النجمية إلى الأنظمة الكوكبية.

ما دور تلسكوب ألما في هذا الاكتشاف

يُعد تلسكوب ألما، الموجود في صحراء أتاكاما في تشيلي، أحد أهم المراصد الفلكية لدراسة الغاز والغبار الكونيين، إذ يتكون من مجموعة من الهوائيات التي تعمل معًا لرصد الإشعاع في نطاقات الموجات المليمترية وتحت المليمترية.

وتتميز هذه النطاقات بقدرتها على الكشف عن البصمات الطيفية للعديد من الجزيئات الموجودة في السحب الباردة ومناطق تكوّن النجوم.

ومن خلال تحليل هذه البصمات، يستطيع العلماء تحديد الجزيئات الموجودة في البيئة المرصودة، ودراسة خصائصها الكيميائية والفيزيائية.

وفي حالة الميثانول الثقيل، ساعد رصد الإشارة الطيفية المميزة على تحديد وجود الجزيء قرب النجم الأولي IRAS4A2، بما يدعم فهم كيفية تشكل الجزيئات المُدَيْتَرة في المراحل المبكرة من تطور النجوم.

اكتشاف الميثانول الثقيل ضمن سلسلة أبحاث جديدة

لم يقتصر برنامج COMPASS على رصد الميثانول الثقيل، بل ارتبط أيضًا بأبحاث أخرى تناولت اكتشاف جزيئات عضوية مختلفة في البيئات النجمية الفتية، إلى جانب تطوير طرق تحليل الأطياف دون المليمترية واسعة النطاق.

وتساعد هذه الأبحاث المتكاملة على توسيع قائمة الجزيئات المعروفة في الفضاء، وتحسين قدرة العلماء على تمييز المركبات المختلفة في البيئات التي تتسم بتداخل الإشارات الطيفية وكثرة المكونات الكيميائية.

كما تتيح مقارنة نتائج الرصد بين منظومات نجمية متعددة دراسة الاختلافات في التركيب الكيميائي، ومعرفة مدى تأثير درجة الحرارة والظروف الفيزيائية في تكوين الجزيئات وتطورها.

هل يقربنا الاكتشاف من فهم نشأة الحياة

رصد الجزيئات العضوية في الفضاء لا يعني اكتشاف حياة خارج الأرض، لكنه يساعد على فهم مدى انتشار المكونات الكيميائية التي يمكن أن تدخل في مراحل لاحقة من التطور الكيميائي.

فدراسة الميثانول والجزيئات المرتبطة به تتيح للعلماء معرفة كيفية تكوّن المركبات العضوية وانتقالها من السحب بين النجمية إلى البيئات التي تتشكل فيها الكواكب.

وقد تساعد هذه المعلومات مستقبلًا على تفسير كيفية وصول بعض المواد العضوية إلى الكواكب الفتية، وما إذا كانت الظروف الكيميائية في الأنظمة الكوكبية المختلفة تسمح باستمرار التفاعلات التي تنتج عنها مركبات أكثر تعقيدًا.

ومع ذلك، فإن الانتقال من اكتشاف الجزيئات العضوية إلى إثبات وجود ظروف مناسبة للحياة أو وجود حياة فعلية يتطلب أدلة علمية مستقلة ومراحل بحثية إضافية.

ماذا يعني اكتشاف الميثانول الثقيل في الفضاء

يمثل رصد الميثانول الثقيل قرب النجم الأولي IRAS4A2 خطوة مهمة في دراسة الكيمياء التي تحدث داخل السحب الباردة ومناطق تشكل النجوم.

ويمنح هذا الاكتشاف الباحثين أداة إضافية لتتبع تاريخ الجزيئات العضوية، وفهم الظروف التي نشأت فيها قبل انتقالها المحتمل إلى الأنظمة الكوكبية.

ومع استمرار عمليات الرصد باستخدام تلسكوب ألما وغيره من المراصد، يتوقع أن تسهم دراسة الجزيئات المُدَيْتَرة في تقديم صورة أكثر تفصيلًا عن المراحل الكيميائية المبكرة التي سبقت تكوّن النجوم والكواكب.