الإثنين 12 أكتوبر 2026 11:53 صـ 29 ربيع آخر 1448 هـ
موقع الصحة نيوز
×

سر ارتفاع التوحد لدى الذكور.. باحثون يكتشفون تغيرات جينية قد تفسر الظاهرة

الإثنين 12 أكتوبر 2026 10:44 صـ 29 ربيع آخر 1448 هـ
أسباب التوحد لدى الأولاد أكثر من البنات
أسباب التوحد لدى الأولاد أكثر من البنات

كشفت دراسة علمية حديثة عن متغيرات جينية جديدة قد تساعد في تفسير ارتفاع معدلات تشخيص اضطراب طيف التوحد لدى الأولاد مقارنة بالفتيات، بعدما رصد باحثون تغيرات طفيفة في المناطق التنظيمية لجين MECP2، المرتبط بنمو الدماغ ووظائفه، على الكروموسوم X.

وأجرى الدراسة باحثون من كلية بايلور للطب ومعهد دنكان للأبحاث العصبية التابع لمستشفى تكساس للأطفال، ونُشرت نتائجها في المجلة الأمريكية لعلم الوراثة البشرية. 

وتشير النتائج إلى أن هذه التغيرات الجينية قد تسهم في تفسير جانب من الفارق بين الجنسين في معدلات تشخيص التوحد، إذ يُشخَّص الأولاد به بمعدل يقارب أربعة أضعاف المعدل لدى الفتيات، وفقًا لما أورده الباحثون.

لماذا يُشخَّص التوحد لدى الأولاد أكثر من الفتيات

يركز الباحثون منذ سنوات على فهم الأسباب البيولوجية والوراثية التي قد تجعل الذكور أكثر عرضة لتشخيص اضطراب طيف التوحد مقارنة بالإناث، مع استمرار البحث في دور العوامل الجينية والبيئية والاختلافات المرتبطة بالجنس.

وفي الدراسة الجديدة، اختبر الفريق فرضية علمية مفادها أن التغيرات الطفيفة في المناطق التنظيمية لبعض الجينات الموجودة على الكروموسوم X قد تسهم في زيادة قابلية الذكور للإصابة باضطرابات النمو العصبي، بما في ذلك التوحد.

وقالت الدكتورة هدى زغبي، المؤلفة الرئيسية للدراسة وأستاذة في كلية بايلور للطب ومديرة معهد دنكان للأبحاث العصبية، إن التوحد اضطراب في النمو العصبي يؤثر في طرق التواصل والتفاعل الاجتماعي، وقد يرتبط بأنماط سلوكية أو اهتمامات محدودة ومتكررة.

وأضافت أن فهم العوامل الوراثية التي تسهم في اختلاف معدلات التشخيص بين الذكور والإناث قد يساعد في الكشف عن آليات بيولوجية جديدة مرتبطة بالاضطراب.

جين MECP2.. محور الدراسة الجديدة

ركز الباحثون على جين MECP2، الموجود على الكروموسوم X، نظرًا إلى دوره المهم في تنظيم وظائف الخلايا العصبية، وارتباط التغيرات في نشاطه بعدد من اضطرابات النمو العصبي.

وتقوم الفكرة الأساسية للدراسة على أن المناطق التنظيمية للجينات تعمل بمثابة مفاتيح تتحكم في مستوى نشاط الجين ومقدار البروتين الذي ينتجه، وبالتالي فإن التغيرات الصغيرة في هذه المناطق قد تؤثر في نمو الدماغ ووظائفه، حتى إن لم تغير الشفرة الوراثية للجين نفسه.

ووفقًا لفرضية الباحثين، قد تكون الإناث أقل تأثرًا ببعض هذه المتغيرات في ظروف معينة بسبب امتلاكهن نسختين من الكروموسوم X، في حين يمتلك الذكور عادة نسخة واحدة منه، ما قد يجعل تأثير بعض التغيرات أكثر وضوحًا لديهم.

وأكد الفريق أن هذه الفرضية تستهدف تفسير جزء من الفارق بين الجنسين، ولا تعني أن جميع حالات التوحد لدى الذكور ترجع إلى جين MECP2 أو إلى آلية وراثية واحدة.

ماذا كشفت الدراسات السابقة عن جين MECP2

استند الباحثون إلى نتائج دراسات سابقة أُجريت على الفئران، وأظهرت أن جين MECP2 يحتاج إلى مستوى دقيق من النشاط حتى يعمل الدماغ بصورة طبيعية.

فانخفاض نشاط الجين إلى مستويات تقارب نصف المستوى الطبيعي أو أقل قد يرتبط بمتلازمة ريت، بينما يمكن أن تؤدي زيادة نشاطه إلى نحو ضعف المستوى الطبيعي إلى اضطراب عصبي نمائي يُعرف بمتلازمة تضاعف MECP2.

كما أظهرت التجارب السابقة أن التغيرات الأقل حدة في مستويات نشاط الجين قد تؤدي إلى سلوكيات شبيهة ببعض سمات التوحد لدى الفئران، دون ظهور الأعراض الأكثر شدة المرتبطة باضطرابات MECP2 المعروفة.

وتوفر هذه النتائج خلفية علمية لفهم كيف يمكن للتغيرات الطفيفة في تنظيم الجينات أن تؤثر في السلوك والنمو العصبي، دون أن تؤدي بالضرورة إلى ظهور متلازمات وراثية واضحة.

كيف اختبر الباحثون المتغيرات الجينية المرتبطة بالتوحد

لفحص الفرضية، استخدم الفريق تقنية مخبرية تُعرف باسم اختبار الإبلاغ المتوازي الضخم (MPRA)، وهي أداة تسمح بتقييم نشاط عدد كبير من التسلسلات الجينية التنظيمية، وتحديد تأثير التغيرات التي تطرأ عليها.

وبعد تحديد المناطق التنظيمية لجين MECP2، فحص الباحثون المتغيرات الجينية لدى أشخاص مصابين بالتوحد، ثم اختبروا تأثير هذه المتغيرات باستخدام التقنية ذاتها.

وأسفرت التحليلات عن تحديد منطقتين تنظيميتين ارتبطت فيهما متغيرات جينية موروثة لدى ذكور مصابين بالتوحد من أمهات غير مصابات، مع وجود تأثير على النشاط التنظيمي للجين.

وتساعد هذه النتائج في توضيح أن بعض المتغيرات التي قد لا تكون كافية وحدها لإحداث اضطراب شديد يمكن أن تؤثر في تنظيم الجينات المرتبطة بوظائف الدماغ.

انخفاض نشاط الجين بنسبة 30%.. ماذا يعني ذلك

من أبرز النتائج التي أوردتها الدراسة تحديد متغير جيني أدى إلى انخفاض التعبير عن جين MECP2 بنحو 30% في الخلايا العصبية البشرية.

وبحسب الباحثة ريبيكا ماير شومان، المؤلفة الأولى للدراسة والباحثة في مختبر زغبي، فإن هذا المستوى من الانخفاض يتوافق مع نتائج تجارب سابقة على الفئران، ارتبطت بظهور صعوبات في التفاعل الاجتماعي وفرط النشاط وسلوكيات شبيهة بالقلق.

وأشارت الباحثة إلى أن الشخص الذي حُدد لديه هذا المتغير شُخّص بالتوحد واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، دون ظهور السمات المميزة لمتلازمة ريت.

وتوضح هذه النتيجة أهمية دراسة مستويات نشاط الجينات، وليس الطفرات التي تغير بنيتها فقط، لفهم التأثيرات الوراثية المحتملة في اضطرابات النمو العصبي.

ومع ذلك، فإن العثور على متغير جيني لدى فرد واحد لا يكفي لإثبات أنه سبب مستقل للتوحد، بل يتطلب الأمر مزيدًا من الدراسات للتحقق من مدى انتشار هذه المتغيرات وتأثيرها لدى مجموعات أكبر من الأشخاص.

هل تفسر الدراسة جميع أسباب التوحد لدى الذكور

لا، إذ تشير النتائج إلى أن المتغيرات التنظيمية لجين MECP2 قد تسهم في تفسير جزء من ارتفاع معدلات تشخيص التوحد لدى الذكور، لكنها لا تقدم تفسيرًا شاملًا للفارق بين الجنسين.

وأكدت هدى زغبي أن الجمع بين الدراسات البشرية والتجارب الحيوانية قد يفتح المجال أمام اكتشاف متغيرات تنظيمية مشابهة في جينات أخرى مرتبطة بالنمو العصبي على الكروموسوم X.

وقد يساعد هذا المسار البحثي في فهم جزء من التأثيرات الوراثية التي لم تُفسَّر بعد في اضطراب طيف التوحد، وتطوير نماذج أكثر دقة لدراسة العوامل البيولوجية المؤثرة في ظهوره.

وتظل النتائج في إطار البحث العلمي، ولا تعني أن المتغيرات المكتشفة تمثل اختبارًا تشخيصيًا جديدًا أو وسيلة مؤكدة للتنبؤ بإصابة طفل بالتوحد.

ماذا تعني النتائج لفهم اضطراب طيف التوحد

تضيف الدراسة دليلًا جديدًا إلى الأبحاث التي تبحث في العلاقة بين تنظيم الجينات ونمو الدماغ، وتسلط الضوء على أن التغيرات الوراثية الصغيرة قد يكون لها تأثير في بعض السمات العصبية والسلوكية.

كما تفتح الباب أمام توسيع نطاق الدراسات لتشمل جينات أخرى على الكروموسوم X، بما قد يساعد في تفسير التباين بين الأفراد واختلاف أنماط ظهور اضطرابات النمو العصبي.

ويرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في التحقق من هذه النتائج لدى مجموعات بشرية أكبر، وتحديد مدى إسهام المتغيرات التنظيمية المكتشفة في قابلية الإصابة بالتوحد، إلى جانب العوامل الوراثية والبيولوجية الأخرى.