الأربعاء 21 أكتوبر 2026 04:42 صـ 9 جمادى أول 1448 هـ
موقع الصحة نيوز
×

​​​​​​​الذكاء الاصطناعي يرسم أكبر خريطة جزيئية للتوحد.. 1800 تفاعل بروتيني قد يمهد لعلاجات أكثر دقة

الأربعاء 21 أكتوبر 2026 03:41 صـ 9 جمادى أول 1448 هـ
اضطراب طيف التوحد
اضطراب طيف التوحد

في تطور علمي جديد قد يساعد على فهم الآليات البيولوجية المرتبطة باضطراب طيف التوحد، تمكن باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو (UCSF) من إنشاء خريطة جزيئية واسعة للتفاعلات البروتينية المرتبطة بالتوحد، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليل الجيني وتجارب على نماذج من أنسجة الدماغ البشرية المزروعة في المختبر.

وكشفت الدراسة، المنشورة في دورية Science في أغسطس 2026، عن أكثر من 1800 تفاعل بين البروتينات المرتبطة بجينات لها صلة بالتوحد، كان نحو 87% منها غير موثق سابقًا. وتمثل هذه النتائج خطوة بحثية مهمة لفهم كيفية تأثير الطفرات الجينية في نمو الدماغ، وقد تساعد مستقبلًا في تحديد أهداف دوائية لعلاجات أكثر تخصصًا، دون أن تعني التوصل إلى علاج متاح للتوحد في الوقت الحالي.

خريطة جزيئية تكشف أكثر من 1800 تفاعل بروتيني مرتبط بالتوحد

اعتمد فريق البحث على دراسة البروتينات التي تنتجها الجينات المرتبطة باضطراب طيف التوحد، بدلًا من الاكتفاء بتحديد الجينات التي قد ترتبط بزيادة احتمالات الإصابة.

وركز الباحثون على 100 جين معروف بقوة ارتباطه بالتوحد، وتمكنوا من تحديد أكثر من 1800 تفاعل بين البروتينات، لم يسبق توثيق نحو 87% منها في الأبحاث العلمية المنشورة.

كما حلل الفريق 54 طفرة جينية مرتبطة بالتوحد ومأخوذة من بيانات مرضى، بهدف فهم كيفية تغيير هذه الطفرات لشبكات التفاعلات بين البروتينات، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات في تطور الدماغ.

وتكمن أهمية هذه الخريطة في أنها تقدم تصورًا أكثر تفصيلًا للعلاقات الجزيئية داخل الخلايا، وتساعد على الانتقال من معرفة الجينات المرتبطة بالتوحد إلى دراسة الوظائف التي تؤديها البروتينات وكيفية تأثرها بالتغيرات الجينية.

لماذا يصعب تطوير علاج واحد لاضطراب طيف التوحد

يرتبط اضطراب طيف التوحد بتنوع كبير في العوامل الجينية والبيولوجية، إذ يمكن أن تسهم تغيرات جينية مختلفة في ظهور سمات مرتبطة بالاضطراب، لكن هذه التغيرات لا تؤدي بالضرورة إلى التأثيرات البيولوجية نفسها لدى جميع الأشخاص.

ويمثل هذا التنوع تحديًا أمام تطوير علاجات تستهدف سببًا واحدًا أو آلية موحدة لدى جميع المصابين.

وتشير نتائج الدراسة الجديدة إلى أن بعض الطفرات المختلفة جينيًا قد تؤثر في شبكات بروتينية مشتركة داخل الخلايا، وهو ما يفتح المجال أمام دراسة أهداف علاجية يمكن أن تكون ذات صلة بأكثر من مجموعة جينية.

وبدلًا من تطوير دواء منفصل لكل طفرة، قد يتمكن الباحثون مستقبلًا من استهداف تفاعلات بروتينية مشتركة تتأثر لدى مجموعات محددة من الأشخاص، إذا أثبتت الدراسات اللاحقة إمكانية تصحيح هذه التغيرات بأمان وفاعلية.

كيف ساعد الذكاء الاصطناعي في رسم خريطة التوحد

استخدم الباحثون أدوات الذكاء الاصطناعي، ومنها AlphaFold، للمساعدة في التنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات وتحليل المواضع التي يمكن أن تؤثر فيها الطفرات الجينية في التفاعلات البروتينية.

وساعد دمج التوقعات الحاسوبية مع التحليلات التجريبية في تحديد بعض التغيرات التي تستحق مزيدًا من الدراسة، خصوصًا تلك التي قد تعيد تشكيل الروابط بين البروتينات أو تغير طريقة تفاعلها.

ولم يعتمد الفريق على النماذج الحسابية وحدها، بل استعان أيضًا بتجارب مخبرية للتحقق من عدد من النتائج، وهو ما يدعم أهمية الجمع بين الذكاء الاصطناعي والتجارب البيولوجية في أبحاث الأمراض المعقدة.

وتوضح الدراسة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد العلماء على تضييق نطاق البحث وتحديد الأهداف المحتملة، لكنه لا يغني عن الاختبارات التجريبية اللازمة للتأكد من صحة النتائج.

ماذا كشفت التجارب على أنسجة الدماغ المزروعة في المختبر

استخدم الباحثون عضيات دماغية بشرية، وهي نماذج ثلاثية الأبعاد تنمو في المختبر وتحاكي بعض جوانب تطور أنسجة الدماغ، لدراسة تأثير تغيرات جينية محددة في الخلايا العصبية.

ومن بين النتائج التي تناولها الفريق التفاعلات المرتبطة بجيني FOXP1 وFOXP2، إذ أظهرت التجارب أن طفرات مختلفة في هذين الجينين يمكن أن تؤثر في التفاعل بين البروتينين FOXP1 وFOXP4.

وأشارت النتائج إلى أن اضطراب هذا التفاعل قد يرتبط بتغيرات في توقيت نضج بعض الخلايا العصبية ونشاط الدوائر العصبية في النماذج المخبرية.

وتساعد هذه التجارب على فهم بعض الآليات البيولوجية التي قد تسهم في اضطرابات النمو العصبي، لكنها لا تثبت بمفردها أن التأثيرات نفسها تحدث بالطريقة ذاتها لدى جميع الأشخاص المصابين بالتوحد.

هل تمهد الخريطة الجزيئية لعلاج جديد للتوحد

يمثل تحديد التفاعلات البروتينية المرتبطة بالتوحد خطوة أولية نحو اكتشاف أهداف دوائية محتملة، إذ قد تساعد النتائج العلماء على تحديد مواضع معينة داخل الشبكات الجزيئية يمكن التدخل فيها مستقبلًا.

وتتمثل إحدى الأفكار التي تدعمها الدراسة في إمكانية استهداف مجمعات بروتينية مشتركة تتأثر بطفرات جينية مختلفة، بدلًا من التعامل مع كل تغير جيني باعتباره حالة منفصلة تمامًا.

لكن هذا الاحتمال لا يزال في إطار البحث والتطوير؛ إذ يتطلب تحويل هذه النتائج إلى علاج إجراء اختبارات إضافية لتحديد مدى إمكانية تعديل التفاعلات البروتينية، ثم تقييم سلامة المركبات الدوائية المحتملة وفاعليتها قبل الانتقال إلى التجارب السريرية على البشر.

وبالتالي، لا تعني الدراسة اكتشاف علاج جديد أصبح متاحًا للمرضى، وإنما توفر خريطة بحثية قد تساعد في توجيه الدراسات المستقبلية نحو أهداف أكثر تحديدًا.

الفئات التي قد تستفيد من الأبحاث المستقبلية

يرى الباحثون أن النتائج قد تكون ذات أهمية خاصة للأشخاص الذين يعانون من أشكال شديدة من اضطراب طيف التوحد، لا سيما بعض الحالات المرتبطة بطفرات جينية نادرة ذات تأثير كبير.

فقد تساعد الخريطة على الربط بين التغيرات الجينية المختلفة والآليات الجزيئية المشتركة، بما يوفر أساسًا لدراسة علاجات موجهة لمجموعات محددة وفق خصائصها البيولوجية.

ومع ذلك، لا يمكن افتراض أن النتائج تنطبق على جميع الأشخاص المصابين بالتوحد، نظرًا إلى التنوع الكبير في السمات والاحتياجات الفردية والعوامل الجينية المرتبطة بالاضطراب.

من اكتشاف الجينات إلى الطب الدقيق

على مدار السنوات الماضية، حدد العلماء عددًا كبيرًا من الجينات المرتبطة باضطراب طيف التوحد، لكن معرفة الجينات المرتبطة بالحالة لا تفسر وحدها كيفية حدوث التغيرات داخل خلايا الدماغ.

وتحاول الدراسة الجديدة سد هذه الفجوة من خلال رسم خريطة للتفاعلات بين البروتينات، وتحديد كيفية تأثير الطفرات الجينية في هذه العلاقات والعمليات البيولوجية المرتبطة بنمو الدماغ.

وقد يساعد هذا النهج مستقبلًا في تطوير ما يُعرف بالطب الدقيق، الذي يهدف إلى اختيار التدخلات العلاجية وفق الخصائص البيولوجية والجينية لكل مجموعة من المرضى.

وتظل الخطوة التالية هي التحقق من النتائج وتحديد التفاعلات التي يمكن استهدافها علاجيًا، ثم اختبار التدخلات المحتملة قبل اعتماد أي علاج للاستخدام الطبي.

وبذلك، تقدم الخريطة الجزيئية الجديدة تقدمًا في فهم البيولوجيا المرتبطة بالتوحد، لكنها تمثل بداية لمسار بحثي طويل، وليس إعلانًا عن علاج نهائي أو وشيك للاضطراب.