دراسة تحذر: الأطعمة فائقة المعالجة قد ترتبط بتلف صامت في الدماغ وزيادة مخاطر السكتة الدماغية
كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون كنديون عن وجود ارتباط بين ارتفاع استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة وزيادة احتمالات ظهور مؤشرات لتلف الأوعية الدموية الدقيقة في الدماغ لدى البالغين في منتصف العمر، ما قد يرتبط مستقبلًا بمشكلات الذاكرة والتفكير وزيادة مخاطر السكتة الدماغية.
فإن الدراسة المنشورة في دورية JAMA Network Open اعتمدت على فحوص التصوير بالرنين المغناطيسي لأدمغة آلاف المشاركين، بهدف رصد التغيرات الدماغية التي قد لا تسبب أعراضًا واضحة في مراحلها المبكرة.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين تناولوا أكبر كميات من الأطعمة فائقة المعالجة كانوا أكثر عرضة بنسبة 40% لظهور بعض مؤشرات التلف الدماغي مقارنة بأصحاب الاستهلاك الأقل، وفقًا للتقديرات الواردة في التقرير.
وتسلط النتائج الضوء على أهمية دراسة العلاقة بين جودة النظام الغذائي وصحة الدماغ، لكنها لا تثبت أن هذه الأطعمة تسبب تلف الدماغ بصورة مباشرة، إذ تظل هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد طبيعة العلاقة والعوامل المؤثرة فيها.
ما تفاصيل الدراسة الكندية عن الأطعمة فائقة المعالجة
شملت الدراسة مشاركين تتراوح أعمارهم بين 35 و69 عامًا، وبلغ متوسط مساهمة الأطعمة فائقة المعالجة نحو 25% من إجمالي ما يتناولونه يوميًا، وفقًا للمعلومات الواردة في التقرير.
واستخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لفحص أدمغة نحو 9 آلاف مشارك، بحثًا عن مؤشرات لتغيرات صغيرة في أنسجة الدماغ قد ترتبط بتضرر الأوعية الدموية الدقيقة.
ورصدت النتائج هذه التغيرات بصورة أكثر شيوعًا لدى الأشخاص الذين سجلوا أعلى معدلات استهلاك للأطعمة فائقة المعالجة، مقارنة بمن تناولوا كميات أقل منها.
وتكمن أهمية هذه النتائج في أن بعض التغيرات الدماغية المرتبطة بالأوعية الدموية الصغيرة قد تظهر قبل ملاحظة مشكلات واضحة في الذاكرة أو القدرات الذهنية، ما يجعلها محل اهتمام الباحثين في مجال الوقاية من الأمراض العصبية والوعائية.
ما المقصود بتلف الدماغ الصامت
يُستخدم تعبير «تلف الدماغ الصامت» بصورة عامة لوصف بعض التغيرات التي تظهر في أنسجة الدماغ أو الأوعية الدموية الدقيقة دون أن تسبب أعراضًا واضحة وقت اكتشافها.
وقد تشمل هذه التغيرات علامات مرتبطة بمرض الأوعية الدموية الصغيرة في الدماغ، والتي يمكن رصد بعضها باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي.
ولا تعني هذه المؤشرات بالضرورة أن الشخص سيصاب مستقبلًا بالسكتة الدماغية أو الخرف، لكنها قد ترتبط بزيادة المخاطر لدى بعض الأشخاص، بحسب طبيعة التغيرات وحجمها والعوامل الصحية المصاحبة.
ولهذا يهتم الباحثون بدراسة العوامل القابلة للتعديل، مثل النظام الغذائي وضغط الدم ومستويات السكر والكوليسترول والتدخين والنشاط البدني، لفهم كيفية تأثيرها في صحة الدماغ على المدى الطويل.
ارتفاع استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بزيادة مؤشرات التلف الدماغي
بحسب نتائج الدراسة الواردة في التقرير، كان الأشخاص الذين تناولوا أكبر كميات من الأطعمة فائقة المعالجة أكثر عرضة بنسبة 40% لظهور التغيرات الدماغية التي رصدها الباحثون، مقارنة بالأشخاص الذين سجلوا أدنى معدلات الاستهلاك.
ويجب تفسير هذه النسبة باعتبارها فرقًا في الاحتمالات المرصودة بين مجموعات الدراسة، وليس زيادة مؤكدة بنسبة 40% في خطر الإصابة بالسكتة الدماغية نفسها.
كما أشار التقرير إلى أن النساء ضمن المجموعة الأعلى استهلاكًا لهذه الأطعمة كن أكثر عرضة بنحو الضعف لظهور مؤشرات التلف الدماغي مقارنة بالنساء في المجموعة الأقل استهلاكًا.
وتحتاج هذه النتيجة إلى قراءة حذرة، خاصة أن الفروق بين المجموعات قد تتأثر بعوامل أخرى، مثل الوزن وضغط الدم والعادات الغذائية ومستوى النشاط البدني.
لماذا تثير الأطعمة فائقة المعالجة القلق بشأن صحة الدماغ
تضم الأطعمة فائقة المعالجة عددًا من المنتجات الصناعية التي تحتوي عادة على مكونات متعددة، وقد تتضمن كميات كبيرة من السكريات المضافة والصوديوم والدهون المشبعة، مع انخفاض نسبي في الألياف وبعض العناصر الغذائية المفيدة.
ومن أمثلتها الشائعة:
- المشروبات الغازية المحلاة.
- الوجبات الخفيفة المعبأة.
- حبوب الإفطار مرتفعة السكر.
- بعض الوجبات الجاهزة والمنتجات الصناعية.
- بعض الحلويات والبسكويت والمنتجات المعبأة طويلة الصلاحية.
وقد يؤدي الاعتماد المتكرر على هذه المنتجات إلى إزاحة أطعمة أكثر فائدة من النظام الغذائي، مثل الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والمكسرات.
كذلك يمكن أن يرتبط الإفراط في تناول بعض المنتجات مرتفعة السعرات بزيادة الوزن وتراكم الدهون الحشوية، وهي عوامل ترتبط بدورها بمخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية واضطرابات التمثيل الغذائي.
ومع ذلك، لا تتساوى جميع الأطعمة فائقة المعالجة في تركيبها الغذائي، لذلك من المهم تقييم جودة النظام الغذائي ككل، بدلًا من الحكم على جميع المنتجات وفق تصنيف واحد فقط.
زيادة الدهون الحشوية من المؤشرات المرتبطة بالاستهلاك المرتفع
أظهرت النتائج، وفقًا للتقرير، أن المشاركين الذين تناولوا أكبر كميات من الأطعمة فائقة المعالجة سجلوا مستويات أعلى من الدهون في الجسم والدهون الحشوية.
وتُعد الدهون الحشوية، التي تتراكم حول الأعضاء الداخلية في منطقة البطن، أحد المؤشرات المرتبطة بزيادة احتمالات الإصابة بعدد من المشكلات الصحية، من بينها أمراض القلب واضطرابات التمثيل الغذائي.
وقد تساعد دراسة هذه العلاقة في تفسير بعض المسارات المحتملة التي تربط الأنماط الغذائية بصحة الأوعية الدموية والدماغ، لكن النتائج لا تثبت أن الدهون الحشوية هي السبب المباشر للتغيرات الدماغية التي رصدها الباحثون.
ماذا قال الباحثون عن العلاقة بين النظام الغذائي وصحة الدماغ
أشار راسل جيه دي سوزا، المؤلف الأول للدراسة والباحث في معهد أبحاث صحة السكان التابع لجامعة ماكماستر، إلى أن ظهور هذه المؤشرات لدى مشاركين في منتصف العمر ومن دون مشكلات صحية واضحة يثير اهتمامًا بشأن توقيت ظهور التغيرات المرتبطة بصحة الدماغ.
كما أكدت سونيا أناند، المؤلفة الرئيسية للدراسة وكبيرة العلماء في المعهد، أن النتائج تشير إلى إمكانية رصد علاقة بين النظام الغذائي وبعض مؤشرات صحة الدماغ قبل أن يلاحظ الأشخاص مشكلات واضحة في الذاكرة أو التفكير.
وتعزز هذه الملاحظات أهمية دراسة العادات الغذائية في مراحل مبكرة من العمر، بدلًا من التركيز على التدخلات الصحية بعد ظهور المضاعفات فقط.
هل تسبب الأطعمة فائقة المعالجة السكتة الدماغية
لا يمكن الجزم بذلك استنادًا إلى هذه الدراسة وحدها. فالعلاقة التي رصدها الباحثون تتعلق بارتفاع استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة وظهور مؤشرات معينة لتلف الدماغ، ولا تثبت أن تناول هذه المنتجات يؤدي مباشرة إلى الإصابة بالسكتة الدماغية.
كما أن رصد تغيرات في التصوير بالرنين المغناطيسي لا يعني بالضرورة أن جميع الأشخاص الذين ظهرت لديهم هذه المؤشرات سيعانون من مشكلات في الذاكرة أو التفكير مستقبلًا.
وتحتاج النتائج إلى دراسات إضافية لتحديد ما إذا كان تقليل استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة يؤدي إلى تحسن هذه المؤشرات، ومدى تأثير ذلك في احتمالات الإصابة بالسكتة الدماغية أو التراجع المعرفي على المدى الطويل.
كيف تحمي صحة الدماغ وتقلل استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة
يمكن اتخاذ مجموعة من الخطوات العملية لتحسين جودة النظام الغذائي ودعم صحة القلب والأوعية الدموية، بما ينعكس إيجابيًا على الصحة العامة:
- زيادة تناول الخضراوات والفواكه: للحصول على الألياف والفيتامينات والمعادن.
- اختيار الحبوب الكاملة: مثل الشوفان والخبز المصنوع من الحبوب الكاملة.
- تناول البقوليات والمكسرات: باعتبارها مصادر مهمة للألياف والعناصر الغذائية والدهون الصحية.
- تقليل المشروبات المحلاة: واستبدالها بالماء أو المشروبات غير المحلاة.
- الحد من المنتجات مرتفعة الصوديوم والسكريات المضافة: خاصة عند تناولها بصورة يومية ومتكررة.
- مراقبة ضغط الدم والسكر والكوليسترول: لأن التحكم في عوامل الخطر القلبية الوعائية مهم لصحة الدماغ.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام: إلى جانب الحفاظ على وزن صحي والنوم الجيد وتجنب التدخين.
ولا يتطلب تحسين النظام الغذائي الامتناع التام عن جميع المنتجات المصنعة، بل يمكن البدء بتقليل المنتجات الأقل قيمة غذائية وإحلال خيارات أكثر تنوعًا وفائدة محلها.
تكشف الدراسة الكندية عن ارتباط بين ارتفاع استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة وزيادة احتمالات ظهور مؤشرات لتلف الأوعية الدموية الدقيقة في الدماغ لدى البالغين في منتصف العمر.
وتشير النتائج إلى أن العلاقة بين التغذية وصحة الدماغ قد تظهر قبل ملاحظة مشكلات واضحة في الذاكرة أو التفكير، لكنها لا تثبت أن هذه الأطعمة تسبب السكتة الدماغية أو التدهور المعرفي بصورة مباشرة.
وتظل الخطوة الأهم هي الاهتمام بجودة النظام الغذائي، وتقليل الإفراط في المنتجات الغنية بالسكريات المضافة والصوديوم والدهون المشبعة، مع زيادة تناول الأطعمة الطبيعية أو قليلة التصنيع، والاهتمام بعوامل الوقاية الأخرى المرتبطة بصحة القلب والدماغ.
