اختبار دم جديد يكشف السرطان وأمراض الكبد مبكرًا بدقة عالية.. ثورة طبية قادمة
في إنجاز علمي جديد قد يُحدث نقلة نوعية في عالم التشخيص الطبي، نجح فريق من العلماء في جامعة كاليفورنيا الأمريكية في تطوير اختبار دم بسيط وفعال من حيث التكلفة، قادر على الكشف المبكر عن أنواع متعددة من السرطان، إلى جانب مجموعة من أمراض الكبد واضطرابات الأعضاء المختلفة، وذلك من خلال تحليل عينة دم واحدة فقط.
نقلًا عن دراسة علمية في مجلة “وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم”، يعتمد هذا الاختبار المتطور على تحليل أجزاء من الحمض النووي المنتشرة في مجرى الدم، وهو ما قد يوفر وسيلة دقيقة وسريعة للكشف المبكر عن الأمراض، بالإضافة إلى إمكانية متابعة الحالة الصحية بشكل شامل دون الحاجة إلى إجراءات معقدة أو تدخلات جراحية.
آلية عمل الاختبار الجديد
تعتمد التقنية الجديدة، التي أطلق عليها اسم “MethylScan”، على تحليل الحمض النووي الخالي من الخلايا (cfDNA)، وهي شظايا صغيرة من المادة الوراثية يتم إطلاقها في الدم عند موت الخلايا. وبما أن خلايا الجسم المختلفة تطلق حمضها النووي في مجرى الدم، فإن هذا الحمض يحمل إشارات دقيقة تعكس حالة الأعضاء والأنسجة المختلفة داخل الجسم.
ويشير الباحثون إلى أن جسم الإنسان يشهد يوميًا موت ما بين 50 إلى 70 مليار خلية، وهذه الخلايا لا تختفي ببساطة، بل تترك وراءها حمضها النووي الذي ينتقل عبر الدم، مما يوفر “خريطة بيولوجية” يمكن تحليلها لفهم ما يحدث داخل الجسم بدقة عالية.
ورغم أن فكرة استخدام الدم للكشف عن السرطان، والمعروفة باسم “الخزعة السائلة”، ليست جديدة، فإن معظم الاختبارات السابقة كانت تركز على البحث عن طفرات جينية محددة، وهو ما يجعلها محدودة النطاق ومكلفة نسبيًا بسبب الحاجة إلى تقنيات تسلسل جيني دقيقة لرصد الإشارات الضعيفة.
أما الاختبار الجديد، فيعتمد على تحليل “مثيلة الحمض النووي”، وهي علامات كيميائية ترتبط بالحمض النووي وتلعب دورًا في تنظيم نشاط الجينات. وتختلف هذه الأنماط باختلاف نوع الأنسجة، كما تتغير عند إصابة الخلايا بالأمراض أو تحولها إلى خلايا سرطانية، مما يجعلها مؤشرًا دقيقًا للكشف عن المرض.
نتائج واعدة من التجارب السريرية
لاختبار فعالية التقنية، قام العلماء بتحليل عينات دم من 1061 شخصًا، شملت مرضى مصابين بسرطانات مختلفة مثل سرطان الكبد والرئة والمبيض والمعدة، إلى جانب أشخاص يعانون من أمراض الكبد المختلفة، مثل التهاب الكبد B وC، وأمراض الكبد المرتبطة بالكحول أو بالتمثيل الغذائي، بالإضافة إلى مشاركين أصحاء.
وباستخدام خوارزميات التعلم الآلي لتحليل بيانات المثيلة المعقدة، أظهرت النتائج دقة مرتفعة في الكشف عن السرطان. فقد بلغت نسبة النوعية 98%، ما يعني انخفاض نسبة النتائج الإيجابية الكاذبة، كما تمكن الاختبار من اكتشاف نحو 63% من حالات السرطان في جميع مراحله، وحوالي 55% من الحالات في مراحلها المبكرة، وهي نسبة مهمة نظرًا لصعوبة اكتشاف السرطان في بداياته.
وفيما يتعلق بسرطان الكبد، أظهر الاختبار أداءً قويًا في مراقبة المرض لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة، مثل مرضى تليف الكبد أو التهاب الكبد B، حيث نجح في اكتشاف نحو 80% من الحالات، بدقة تجاوزت 90%.
تحديد مصدر المرض وتقليل الحاجة للخزعات
واحدة من أبرز مزايا اختبار “MethylScan” هي قدرته على تحديد مصدر الإشارات المرضية داخل الجسم، أو ما يُعرف بـ“نسيج المنشأ”، وهو ما يساعد الأطباء على معرفة العضو المتأثر بدقة، سواء كان الكبد أو الرئتين أو غيرهما.
كما أظهر الاختبار قدرة مميزة على التمييز بين أنواع مختلفة من أمراض الكبد، حيث تمكن من تصنيف نحو 85% من الحالات بشكل صحيح. وقد يساهم ذلك في تقليل الحاجة إلى إجراء خزعات الكبد الجراحية، التي غالبًا ما تكون مؤلمة وتنطوي على مخاطر.
ويصف الباحثون هذا الاختبار بأنه أشبه بـ“رادار صحي” للجسم، إذ يمكنه رصد إشارات مبكرة تدل على وجود خلل أو إجهاد في الأعضاء، حتى قبل ظهور الأعراض.
آفاق مستقبلية واعدة
رغم النتائج الإيجابية، يؤكد العلماء أن الاختبار لا يزال في مراحله البحثية، ويحتاج إلى المزيد من الدراسات السريرية واسعة النطاق قبل اعتماده بشكل رسمي. ومع ذلك، فإن هذه التقنية تمثل خطوة كبيرة نحو تطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة وأقل تكلفة.
ومن المتوقع أن يسهم هذا الابتكار في تحسين فرص الكشف المبكر، وتقليل تكاليف العلاج، وتعزيز مفهوم الطب الوقائي، الذي يركز على اكتشاف الأمراض قبل تفاقمها.
وفي حال نجاحه في الحصول على الاعتماد الطبي، قد يصبح هذا الاختبار أداة أساسية في الفحوصات الدورية، مما يساعد في إنقاذ حياة ملايين الأشخاص حول العالم، ويغير مستقبل التعامل مع الأمراض المزمنة والخطيرة.
