لماذا لا تستطيع التوقف عن الشيبسي والشوكولاتة.. السر في «نقطة النشوة»
قد يتساءل كثيرون عن السبب الذي يجعلهم يكتفون بتناول ثمرة فاكهة واحدة، بينما يجدون صعوبة في التوقف عن تناول رقائق البطاطس أو البسكويت أو الشوكولاتة أو الوجبات السريعة.
ولا يرتبط هذا الأمر دائمًا بضعف الإرادة، إذ تشير الدراسات إلى أن جزءًا من السبب يعود إلى الطريقة التي تُصمم بها بعض الأطعمة فائقة المعالجة، بحيث تصبح شديدة الجاذبية للدماغ والحواس، وتدفع الإنسان إلى الرغبة في تناول المزيد حتى بعد حصول الجسم على احتياجاته الفعلية من الطاقة.
تعتمد بعض شركات الأغذية على أبحاث متخصصة لفهم استجابة الإنسان للطعام، وتطوير منتجات تصل إلى ما يُعرف باسم "نقطة النشوة" (Bliss Point)، وهي تركيبة مدروسة تجمع بين السكر والدهون والملح بنسب معينة تجعل الطعام أكثر إغراءً وصعوبة في الاكتفاء منه.
ما المقصود بـ«نقطة النشوة»
يشير مفهوم نقطة النشوة إلى المستوى الذي يحقق أعلى استجابة إيجابية من مراكز التذوق والمكافأة في الدماغ.
فعندما تتوازن كميات السكر والدهون والملح بطريقة دقيقة، يصبح الطعام أكثر استساغة، ويزداد الميل إلى تناوله بشكل متكرر.
ولا يعني ذلك أن هذه الأطعمة تعمل مثل المواد المخدرة، لكنها قد تنشط مسارات عصبية مرتبطة بالمكافأة والمتعة، وهو ما يفسر شعور البعض بالرغبة في الاستمرار بتناولها رغم الإحساس بالشبع.
ماذا يحدث داخل الدماغ عند تناول هذه الأطعمة
عند تناول الأطعمة فائقة المعالجة، ينشط نظام المكافأة في الدماغ، ويزداد إفراز الناقل العصبي الدوبامين، المسؤول عن الشعور بالمتعة والتحفيز.
ومع تكرار التعرض لهذا النوع من الطعام، قد يعتاد الدماغ على مستويات مرتفعة من التحفيز، ما يزيد الرغبة في تكرار التجربة مرة أخرى.
ولا يعتمد الأمر على الطعم فقط، بل تدخل عوامل أخرى مثل:
- رائحة الطعام.
- القوام والملمس.
- سرعة ذوبان الطعام داخل الفم.
- القرمشة.
- الأصوات الناتجة عن المضغ.
وهي تفاصيل تستغلها الصناعات الغذائية لجعل المنتج أكثر جذبًا للمستهلك.
لماذا لا تسبب الأطعمة فائقة المعالجة شعورًا سريعًا بالشبع
تختلف الأطعمة الطبيعية عن كثير من المنتجات المصنعة في تركيبتها الغذائية.
فالفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة تحتوي غالبًا على:
- الألياف التي تبطئ عملية الهضم.
- البروتين الذي يساعد على زيادة الإحساس بالشبع.
- الماء الذي يزيد حجم الطعام داخل المعدة.
أما كثير من الأطعمة فائقة المعالجة فتحتوي على سعرات حرارية مرتفعة مع كميات قليلة من الألياف والبروتين، ما يجعل الجسم يحصل على طاقة كبيرة دون إحساس طويل بالامتلاء.
كما أن السكريات والكربوهيدرات المكررة قد تؤدي إلى ارتفاع سريع في مستوى سكر الدم، يعقبه انخفاض قد يعيد الشعور بالجوع خلال وقت قصير.
هندسة غذائية وراء كل قضمة
تعتمد صناعة الأغذية الحديثة على فرق من خبراء علوم الأغذية والتغذية والكيمياء الحسية لتحسين المنتجات باستمرار.
ويتم ضبط نسب المكونات بدقة للوصول إلى المزيج الأكثر قبولًا لدى المستهلك، ولا يقتصر الأمر على السكر والدهون والملح فقط، بل يشمل أيضًا:
- محسنات النكهة.
- المنكهات الصناعية.
- الألوان.
- اختيار القوام المناسب.
والهدف هو جعل كل قضمة تجربة ممتعة تدفع المستهلك إلى تناول المزيد.
لماذا ينجذب الأطفال إلى هذه الأطعمة؟
يكون الأطفال أكثر حساسية للمذاق الحلو مقارنة بالبالغين، كما أن مناطق الدماغ المسؤولة عن التحكم في القرارات لا تزال في طور النمو، مما يجعلهم أكثر تأثرًا بالإعلانات والألوان الجذابة والشخصيات الكرتونية والهدايا المرتبطة بالأطعمة.
ومع الاعتياد على هذه المنتجات منذ الصغر، قد تصبح الأطعمة الطبيعية مثل الخضراوات والفواكه أقل جاذبية مقارنة بالأطعمة المصنعة ذات النكهات القوية.
علاقة الأطعمة فائقة المعالجة بالأمراض المزمنة
يرتبط الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة بزيادة احتمالات الإصابة بعدد من المشكلات الصحية، منها:
- السمنة.
- ارتفاع ضغط الدم.
- اضطرابات الدهون في الدم.
- السكري من النوع الثاني.
- الكبد الدهني غير الكحولي.
- أمراض القلب والأوعية الدموية.
ولا يرجع ذلك إلى مكون واحد فقط، بل إلى نمط غذائي يعتمد بكثرة على أطعمة مرتفعة السعرات ومنخفضة القيمة الغذائية، إلى جانب عوامل أخرى مثل قلة النشاط البدني.
هل يمكن تقليل الرغبة في تناول هذه الأطعمة
يؤكد خبراء التغذية أن تغيير العلاقة مع الأطعمة فائقة المعالجة يحتاج إلى وقت وتدرج، ويمكن تحقيقه من خلال تعديل العادات الغذائية.
ومن الخطوات التي تساعد على ذلك:
- تناول كميات كافية من البروتين.
- زيادة تناول الخضراوات والفواكه.
- الاعتماد على الحبوب الكاملة.
- شرب كمية كافية من الماء.
- تقليل شراء الوجبات الخفيفة المصنعة.
- إعداد الطعام في المنزل قدر الإمكان.
كما يمنح الطهي المنزلي قدرة أكبر على التحكم في كميات السكر والدهون والملح، وتقليل التعرض للمكونات المضافة التي تزيد من جاذبية الأطعمة المصنعة.
فهم طريقة عمل الدماغ يساعد على التحكم في الاختيارات
معرفة تأثير الأطعمة فائقة المعالجة على الدماغ لا تعني منعها تمامًا، لكنها تساعد على اتخاذ قرارات غذائية أكثر وعيًا، وتحقيق توازن بين الاستمتاع بالطعام والحفاظ على صحة الجسم.
