ضوء الهاتف أثناء النوم يهدد قلبك؟ دراسة تكشف تغيرات مقلقة في عضلة القلب
كشفت دراسة علمية حديثة عن ارتباط التعرض للضوء الخافت أثناء النوم بحدوث تغيرات في بنية القلب ووظيفته، حتى عندما تكون مستويات الإضاءة منخفضة وتشبه ضوء شاشة هاتف منخفضة السطوع أو الضوء المتسرب إلى غرفة النوم من الخارج.
وشملت الدراسة، التي نُشرت في دورية European Heart Journal، أكثر من 11 ألف شخص ارتدوا أجهزة لقياس مستوى تعرضهم للضوء أثناء النوم لمدة أسبوع، قبل أن يخضعوا بعد نحو 3 سنوات لفحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي للقلب.
وأثارت النتائج الانتباه إلى أهمية بيئة النوم، بعدما وجد الباحثون ارتباطًا بين ارتفاع التعرض للضوء ليلًا وبعض التغيرات في شكل القلب وقدرته على أداء وظائفه بصورة طبيعية.
أكثر من 11 ألف شخص تحت الدراسة
اعتمد الباحثون على بيانات 11,071 مشاركًا، حيث ارتدى أفراد الدراسة أجهزة مخصصة لقياس مستويات الضوء التي تعرضوا لها خلال ساعات النوم لمدة أسبوع كامل.
وتراوحت مستويات الإضاءة بين شبه الظلام التام ومستويات منخفضة من الضوء، بما يشبه الضوء المتسرب من باب غير مغلق بإحكام أو شاشة هاتف تعمل بدرجة سطوع منخفضة.
وبعد مرور نحو ثلاث سنوات، خضع المشاركون لفحوصات بالرنين المغناطيسي للقلب، بهدف تقييم بنيته ووظيفته ورصد أي اختلافات مرتبطة بدرجة التعرض للضوء أثناء الليل.
ماذا حدث للقلب مع زيادة التعرض للضوء
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين تعرضوا لمستويات أعلى من الضوء أثناء النوم كانوا أكثر عرضة لوجود زيادة في سماكة جدار البطين الأيسر، وهي الحجرة المسؤولة عن ضخ الدم الغني بالأكسجين إلى أنحاء الجسم.
ومع زيادة سماكة الجدار، تقل المساحة الداخلية المتاحة للبطين، كما رصد الباحثون مؤشرات مرتبطة بتراجع قدرة القلب على الانبساط، أي قدرة عضلة القلب على الارتخاء والامتلاء بالدم بين ضربات القلب.
وهذه التغيرات لا تعني بالضرورة أن الأشخاص المشاركين كانوا يعانون بالفعل من مرض قلبي، لكنها تمثل تغيرات في بنية القلب ووظيفته تستحق مزيدًا من الدراسة.
ما المقصود بإعادة تشكيل القلب
وصف الباحثون هذه التغيرات بأنها قد تندرج ضمن ما يعرف بـ "إعادة تشكيل القلب" (Cardiac Remodeling)، وهو مصطلح يشير إلى تغيرات تحدث في بنية القلب أو وظيفته استجابة لعوامل ضغط أو إصابة أو حالات مرضية مزمنة.
وأوضح الباحث الرئيسي، لو تشي من جامعة تولين الأمريكية، أن التعرض للضوء أثناء الليل يرتبط بهذه التغيرات، مشيرًا إلى أن استمرار مثل هذه التغيرات على المدى الطويل قد يؤثر سلبًا في وظيفة عضلة القلب.
لكن من المهم التأكيد على أن الدراسة أظهرت ارتباطًا وليس إثباتًا لعلاقة سببية مباشرة بين الضوء أثناء النوم وتغيرات القلب.
هل ضوء الهاتف أثناء النوم خطر على القلب
تشير الدراسة إلى أن التعرض للضوء أثناء الليل، بما في ذلك مستويات منخفضة نسبيًا، قد يكون مرتبطًا بتغيرات في القلب.
لكن هذا لا يعني أن استخدام الهاتف أو وجود ضوء خافت في غرفة النوم سيؤدي حتمًا إلى الإصابة بأمراض القلب.
كما أن الدراسة اعتمدت على قياس التعرض للضوء ثم ربطته بتغيرات ظهرت في فحوص القلب لاحقًا، ولذلك لا يمكن من نتائجها وحدها إثبات أن الضوء كان السبب المباشر في هذه التغيرات.
لماذا قد يؤثر الضوء ليلًا في القلب
يعتقد الباحثون أن أحد التفسيرات المحتملة يرتبط بتأثير الضوء أثناء الليل في الإيقاع اليومي للجسم (Circadian Rhythm)، وهو النظام الداخلي الذي ينظم دورة النوم والاستيقاظ والعديد من العمليات الحيوية.
فالتعرض للضوء في الوقت المخصص للنوم قد يؤثر في الإشارات التي يحصل عليها الجسم ليلًا، وقد يرتبط ذلك بتغيرات في بعض العمليات الفسيولوجية المرتبطة بالنوم والتمثيل الغذائي ووظائف القلب والأوعية الدموية.
وتظل هذه الآليات بحاجة إلى مزيد من البحث لتحديد كيفية ارتباط الضوء الليلي بصورة دقيقة بالتغيرات التي رصدتها الدراسة.
خبراء يدعون إلى الاهتمام بظلام غرفة النوم
وفي افتتاحية مرافقة للدراسة، رأى البروفيسور توماس مونتسل وزملاؤه من المركز الطبي الجامعي في ماينتس بألمانيا أن الظلام أثناء النوم ينبغي التعامل معه باعتباره أحد العوامل المهمة في بيئة النوم الصحية.
ودعا الخبراء إلى أن يهتم الأطباء عند تقييم صحة المرضى بظروف النوم، بما في ذلك مستوى الإضاءة في غرفة النوم، والعمل بنظام المناوبات الليلية، واستخدام الشاشات خلال ساعات الليل.
كيف تجعل غرفة نومك أكثر ظلامًا
اقترح الباحثون عددًا من الإجراءات البسيطة التي يمكن أن تساعد في تقليل التعرض للضوء أثناء النوم، من بينها:
- استخدام ستائر حاجبة للضوء لمنع الإضاءة الخارجية.
- تقليل مصادر الإضاءة داخل غرفة النوم.
- اختيار مصابيح جانبية ذات إضاءة دافئة عند الحاجة إلى الإضاءة ليلًا.
- تغطية مصابيح LED الصغيرة الموجودة في الأجهزة الإلكترونية.
- تجنب ترك شاشات الهاتف أو الأجهزة الإلكترونية مضاءة بالقرب من السرير.
- تقليل التعرض غير الضروري للشاشات قبل النوم.
كما أشار الباحثون إلى أهمية التعامل مع التلوث الضوئي في المدن، من خلال تقليل الإنارة غير الضرورية خلال ساعات الليل.
هل يجب النوم في ظلام تام
تشير نتائج الدراسة إلى أن تقليل الضوء أثناء النوم قد يكون إجراءً مفيدًا، لكن الدراسة وحدها لا تثبت أن النوم في ظلام تام يمنع أمراض القلب.
والهدف العملي هو تقليل مصادر الضوء غير الضرورية قدر الإمكان، خاصة إذا كانت الغرفة مضاءة بشكل مستمر أثناء النوم.
وفي حال كان الشخص يحتاج إلى إضاءة ليلية لأسباب تتعلق بالسلامة أو الحركة داخل المنزل، يمكن استخدام مصدر ضوء منخفض وغير مباشر بدلًا من إضاءة قوية.
الضوء والنوم.. علاقة تتجاوز الإزعاج
لا يقتصر تأثير الإضاءة الليلية على مجرد جعل النوم أكثر صعوبة بالنسبة لبعض الأشخاص، إذ تتزايد الأبحاث التي تبحث في العلاقة بين الضوء أثناء الليل والساعة البيولوجية للجسم.
وتشير الدراسة الجديدة إلى جانب إضافي يستحق البحث، يتعلق باحتمال ارتباط التعرض للضوء أثناء النوم بتغيرات في بنية القلب ووظيفته.
ومع ذلك، يحتاج العلماء إلى مزيد من الدراسات، خاصة التجارب التي يمكنها اختبار العلاقة السببية بصورة أكثر دقة، قبل اعتبار تقليل الضوء أثناء النوم وسيلة مثبتة للوقاية من أمراض القلب.
تسلط الدراسة الضوء على أهمية بيئة النوم المظلمة، بعدما وجدت ارتباطًا بين زيادة التعرض للضوء أثناء النوم وبعض التغيرات في بنية القلب ووظيفته لدى أكثر من 11 ألف شخص.
لكن النتائج لا تعني أن ضوء الهاتف أو الضوء الخافت سيؤدي حتمًا إلى الإصابة بأمراض القلب، ولا تثبت أن الضوء هو السبب المباشر في التغيرات التي رصدها الباحثون.
ومع ذلك، فإن تقليل الإضاءة غير الضرورية أثناء النوم يُعد إجراءً بسيطًا يمكن تطبيقه، إلى جانب الاهتمام بعادات النوم الصحية ومتابعة عوامل خطر أمراض القلب المعروفة.
