بوابة الصحة

دراسة تكشف مفاجأة في أدمغة فاقدي السمع.. الدماغ يعيد توزيع موارده لتعزيز الرؤية المحيطية

الأربعاء 16 سبتمبر 2026 07:01 مـ 3 ربيع آخر 1448 هـ
فقدان السمع
فقدان السمع

كشفت دراسة جديدة عن قدرة الدماغ على إعادة تنظيم موارده العصبية لدى الأشخاص الذين فقدوا السمع في سن مبكرة، بما قد يؤدي إلى تخصيص مساحة أكبر من مناطق المعالجة البصرية في الدماغ للرؤية المحيطية البعيدة.

وأشارت الدراسة،إلى أن هذا التغير يرتبط بمرونة الدماغ وقدرته على التكيف مع فقدان إحدى الحواس، حيث يبدو أن الموارد العصبية لا تزداد بشكل عام، وإنما يعاد توزيعها بين مناطق مختلفة من مجال الرؤية.

كيف يعوض الدماغ فقدان إحدى الحواس

يعتمد الدماغ على ما يعرف بـالمرونة العصبية، وهي قدرته على تعديل طريقة عمل بعض المناطق العصبية استجابة للتغيرات في الخبرات الحسية.

وكانت أبحاث سابقة قد أشارت إلى أن الأشخاص الذين يفقدون إحدى الحواس في وقت مبكر من حياتهم قد يطورون قدرات أفضل في استخدام الحواس الأخرى.

فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسات على المكفوفين قدرة مناطق من القشرة البصرية على معالجة معلومات واردة من حواس أخرى، بينما أشارت أبحاث أخرى إلى احتمال تمتع الأشخاص الذين يعانون من الصمم المبكر بحساسية أفضل لبعض المحفزات الموجودة في مجال الرؤية المحيطية.

لكن ظل السؤال قائمًا حول ما إذا كان فقدان السمع يؤدي إلى تغييرات فعلية في المسارات البصرية الأولية داخل الدماغ.

دراسة تبحث الرؤية المحيطية لدى فاقدي السمع

للبحث في هذه المسألة، استخدم فريق الدراسة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لرسم خرائط الاستجابات البصرية عبر مجال رؤية واسع.

وشملت الدراسة 32 بالغًا، بينهم 16 شخصًا يعانون من الصمم الشديد وفقدوا السمع في سن مبكرة، إلى جانب 16 شخصًا يتمتعون بالسمع من الفئة العمرية نفسها.

وخلال التجربة، شاهد المشاركون أنماطًا بصرية متحركة شبيهة برقعة الشطرنج، امتدت إلى نحو 72 درجة من مركز مجال الرؤية، بينما سجل الباحثون استجابات مناطق مختلفة من الدماغ.

وركزت الدراسة بشكل خاص على القشرة البصرية الأولية، إلى جانب النواة الركبية الجانبية في المهاد، وهي منطقة تشارك في نقل الإشارات البصرية القادمة من الشبكية إلى القشرة الدماغية.

ماذا وجدت الدراسة

أظهرت النتائج أن الأشخاص الصم المشاركين خصصوا نسبة أكبر من القشرة البصرية الأولية لمعالجة المناطق المحيطية البعيدة من مجال الرؤية مقارنة بالأشخاص الذين يتمتعون بالسمع.

وفي المقابل، كانت النسبة المخصصة لمعالجة الرؤية المركزية أقل نسبيًا.

ويشير ذلك إلى أن الأمر لا يتعلق بمجرد زيادة عامة في حجم المنطقة البصرية بالدماغ، وإنما يبدو أقرب إلى إعادة توزيع للموارد العصبية بين الرؤية المركزية والمحيطية.

كما ظهر نمط مشابه من التغيرات في النواة الركبية الجانبية، وهو ما قد يشير إلى أن إعادة التنظيم تحدث في مرحلة مبكرة نسبيًا من المسار البصري.

هل أصبح دماغ فاقدي السمع أكبر

لا تشير النتائج إلى أن القشرة البصرية أو المنطقة المسؤولة عن نقل الإشارات البصرية أصبحت أكبر بشكل عام لدى المشاركين الصم.

فلم يجد الباحثون اختلافًا في الحجم الإجمالي للقشرة البصرية الأولية أو النواة الركبية الجانبية بين مجموعتي الدراسة.

وبدلًا من زيادة سمك القشرة، وجد الباحثون أن زيادة تمثيل المناطق المحيطية البعيدة ارتبطت بشكل أكبر بزيادة مساحة سطح القشرة.

وهذا يدعم فكرة أن الدماغ يعيد توزيع موارده الموجودة بالفعل بدلًا من مجرد زيادة حجم المنطقة المسؤولة عن معالجة المعلومات البصرية.

لماذا قد تتحسن الرؤية المحيطية

يرى الباحثون أن إعادة توزيع الموارد العصبية قد تساعد في تفسير نتائج عدد من الدراسات السلوكية السابقة، التي وجدت اختلافات في الحساسية البصرية لدى الأشخاص الصم أو ضعاف السمع، خصوصًا بالنسبة للمحفزات الموجودة في المناطق المحيطية البعيدة.

وبحسب هذا التفسير، قد يؤدي فقدان السمع في مرحلة مبكرة إلى تغير الطريقة التي يخصص بها الدماغ موارده لمعالجة المعلومات القادمة من البيئة المحيطة.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع الأشخاص الذين يعانون من فقدان السمع يمتلكون قدرة بصرية أفضل، إذ تعتمد النتائج على عوامل متعددة، من بينها توقيت فقدان السمع والخبرة الحسية الفردية.

هل تثبت الدراسة أن فقدان السمع يقوي البصر

ليس بشكل قاطع.

الدراسة تقدم دليلًا على وجود اختلافات في تنظيم وتمثيل مجال الرؤية داخل بعض المناطق البصرية لدى الأشخاص الذين فقدوا السمع مبكرًا، لكنها لا تحدد بصورة نهائية متى بدأت هذه التغيرات أو الآلية الدقيقة التي أدت إليها.

كما أن المشاركين خضعوا للتقييم في مرحلة واحدة من حياتهم، وبالتالي لا يمكن من خلال الدراسة وحدها متابعة عملية إعادة التنظيم العصبي لحظة بلحظة.

وأشار الباحثون كذلك إلى وجود بعض القيود التقنية المرتبطة بدقة التصوير بالرنين المغناطيسي المستخدم لرسم خرائط مجال الرؤية الواسع، خصوصًا في مركز الرؤية والحواف الخارجية للخريطة.

الدماغ أكثر مرونة مما نعتقد

تضيف النتائج الجديدة دليلًا آخر إلى الأبحاث التي تدرس مرونة الدماغ وقدرته على التكيف مع التغيرات الحسية.

وتشير الدراسة بصورة عامة إلى أن فقدان حاسة في وقت مبكر من الحياة قد يرتبط بتغيرات في طريقة توزيع الموارد العصبية، وليس بالضرورة بفقدان وظيفة معينة فقط.

ومع ذلك، يحتاج الباحثون إلى دراسات إضافية، خاصة الدراسات التي تتابع الأشخاص على مدى سنوات، لفهم كيفية حدوث إعادة التنظيم البصري وتحديد العلاقة الدقيقة بينها وبين الأداء البصري في الحياة اليومية.