موقع الصحة نيوز

اكتشاف علمي غير مسبوق.. سرطان مُعدٍ ينتقل بين أسماك المياه العذبة دون فيروس أو بكتيريا

الجمعة 16 أكتوبر 2026 06:07 صـ 4 جمادى أول 1448 هـ
اكتشاف سرطان معدٍ في الأسماك
اكتشاف سرطان معدٍ في الأسماك

في اكتشاف علمي لافت، توصل فريق من العلماء إلى أول دليل على وجود سرطان مُعدٍ ينتقل بين أسماك المياه العذبة، في ظاهرة نادرة تنتقل خلالها الخلايا السرطانية الحية من سمكة إلى أخرى، وتواصل النمو داخل أجسامها دون الحاجة إلى فيروس أو بكتيريا أو أي عامل مُمرض آخر.

وكشفت الدراسة ‘أن الأورام التي رُصدت لدى أسماك السلور البني في بحيرة ممفريماغوغ، الواقعة على الحدود بين ولاية فيرمونت الأمريكية ومقاطعة كيبيك الكندية، تحمل بصمة جينية مشتركة، ما يشير إلى أنها تنحدر من سلالة واحدة من الخلايا السرطانية.

ويفتح هذا الاكتشاف آفاقًا جديدة أمام العلماء لفهم كيفية انتقال الخلايا السرطانية بين الكائنات الحية، والآليات التي تساعدها على البقاء والتكاثر داخل أجسام مختلفة، كما يثير تساؤلات حول تأثير هذه الظاهرة في الحياة البرية.

ما السرطان المُعدي وكيف ينتقل بين الكائنات الحية

في الحالات المعتادة، ينشأ السرطان نتيجة تراكم تغيرات جينية داخل خلايا الجسم، فتبدأ هذه الخلايا في الانقسام بصورة غير طبيعية، وتكوّن أورامًا قد تنتشر إلى أنسجة أخرى.

أما السرطان المُعدي، فهو ظاهرة بيولوجية نادرة تنتقل فيها الخلايا السرطانية الحية نفسها من كائن إلى آخر، ثم تستقر داخل جسم المضيف الجديد وتواصل الانقسام والنمو.

ويختلف هذا النوع عن السرطان المرتبط ببعض الفيروسات، إذ لا ينتقل المرض هنا بسبب فيروس يحفز ظهور الورم، بل تنتقل الخلايا السرطانية ذاتها بين الأفراد.

وللتحقق من طبيعة الأورام المكتشفة لدى أسماك السلور البني، أجرى الباحثون تحليلات جينية لعينات من الأورام والأنسجة السليمة، وأظهرت النتائج وجود مئات الآلاف من الطفرات الجينية المتطابقة في الأورام، في حين لم تظهر هذه البصمة الجينية في الأنسجة السليمة التي فُحصت.

وتدعم هذه النتائج فرضية أن الأورام المختلفة تعود إلى سلالة واحدة من الخلايا السرطانية التي انتقلت بين الأسماك، بدلًا من نشوء كل ورم بصورة مستقلة داخل كل سمكة.

رابع سرطان مُعدٍ يُكتشف طبيعيًا لدى الحيوانات

يمثل الاكتشاف الجديد رابع حالة معروفة من السرطانات المعدية التي تحدث طبيعيًا لدى الحيوانات، بعد حالات وُثقت في أنواع أخرى، أبرزها:

  • الكلاب: يمكن أن تصاب بأورام تناسلية معدية تنتقل فيها الخلايا السرطانية خلال التلامس المباشر، وقد تتراجع هذه الأورام تلقائيًا في كثير من الحالات.
  • شياطين تسمانيا: ينتقل بينها ورم الوجه المعدي، الذي أسهم في تراجع أعداد هذه الحيوانات بصورة ملحوظة.
  • بعض أنواع المحار البحري: سُجلت فيها سرطانات معدية تنتقل فيها الخلايا الورمية بين الأفراد.

أما الحالة الجديدة، فتتميز برصدها لدى أسماك المياه العذبة، ما يوسع نطاق الكائنات التي عُرفت فيها هذه الظاهرة النادرة.

كيف تنتقل الخلايا السرطانية بين أسماك البحيرة

رغم أن التحليلات الجينية تدعم انتقال الخلايا السرطانية بين الأسماك، فإن الآلية الدقيقة لانتقالها لم تُحسم بعد.

ويطرح الباحثون عدة فرضيات تحتاج إلى مزيد من الدراسة، أبرزها:

1. الانتقال خلال التجمعات في موسم التكاثر

قد يتيح تجمع الأسماك بأعداد كبيرة خلال موسم التكاثر فرصًا لانتقال الخلايا السرطانية من سمكة مصابة إلى أخرى، خاصة عند حدوث تلامس مباشر بين الأفراد.

2. انتقال الخلايا عبر مياه البحيرة

يفترض العلماء أن الخلايا السرطانية قد تصل إلى المياه المحيطة، ثم تدخل أجسام الأسماك الأخرى عبر الخياشيم أو الفم أو الأنسجة المتضررة من الجلد.

3. بقاء الخلايا في رواسب قاع البحيرة

هناك احتمال آخر يتمثل في بقاء الخلايا السرطانية حية لفترة في الرواسب الموجودة بقاع البحيرة، ثم تعرض الأسماك لها أثناء التغذية أو الاحتكاك بالقاع.

لكن هذه المسارات لا تزال فرضيات بحثية، ولا توجد أدلة حاسمة تحدد أيها المسؤول عن انتشار المرض في البحيرة.

متى ظهر المرض وكم عدد الأسماك المصابة

بحسب المعلومات الواردة في الدراسة، رُصد الورم الميلاني لدى أسماك السلور البني في البحيرة للمرة الأولى عام 2012، ثم أظهرت المتابعات بحلول عام 2015 ظهور أعراض المرض لدى نحو 30% من هذه الأسماك.

وتثير هذه النسبة تساؤلات بشأن قدرة المرض على الانتشار وتأثيره المحتمل في أعداد الأسماك على المدى الطويل.

ومع ذلك، لا يزال العلماء غير قادرين على تحديد التداعيات البيئية بعيدة المدى للسرطان المكتشف، أو معرفة ما إذا كان سيؤدي إلى انخفاض مستمر في أعداد الأسماك المصابة.

وتختلف آثار السرطانات المعدية باختلاف النوع الحيواني؛ ففي حين ارتبط ورم الوجه المعدي بتراجع أعداد شياطين تسمانيا، تستطيع الكلاب المصابة بالأورام التناسلية المعدية التعافي تلقائيًا في كثير من الحالات.

ويواصل الباحثون أيضًا دراسة احتمال انتقال السلالة السرطانية المكتشفة إلى بحيرات أخرى في أمريكا الشمالية.

هل يمكن أن ينتقل السرطان المعدي من الأسماك إلى الإنسان

لا توجد حاليًا مؤشرات على أن السرطان المكتشف لدى أسماك السلور البني يمكن أن ينتقل إلى الإنسان.

ويختلف انتقال الخلايا السرطانية بين الحيوانات عن انتقال العدوى المعروفة التي تسببها الفيروسات أو البكتيريا، كما أن الخلايا السرطانية الغريبة تواجه عادةً حواجز مناعية تمنعها من الاستقرار والتكاثر داخل جسم كائن آخر.

ولا تُعد السرطانات البشرية أمراضًا معدية في الظروف المعتادة، وإن كانت هناك حالات نادرة للغاية لانتقال خلايا سرطانية بين البشر في ظروف طبية استثنائية، مثل بعض عمليات زراعة الأعضاء، أو انتقال خلايا ورمية من الأم إلى الجنين خلال الحمل.

كذلك، لم تُظهر النتائج الواردة في الدراسة وجود فيروس أو بكتيريا أو طفيلي مسؤول عن انتقال المرض بين الأسماك، بل أشارت إلى أن الخلايا السرطانية نفسها هي التي تنتقل.

وبناءً على الأدلة المتاحة، فإن الاكتشاف يمثل ظاهرة بيولوجية مهمة، وليس دليلًا على ظهور خطر جديد يهدد الصحة العامة أو يثبت إمكانية انتقال السرطان من الأسماك إلى البشر.

لماذا يهم العلماء اكتشاف سرطان ينتقل بين الأسماك

لا تقتصر أهمية الدراسة على اكتشاف نوع جديد من السرطانات المعدية، بل تمتد إلى محاولة فهم كيفية بقاء الخلايا السرطانية حية خارج الجسم الأصلي، ثم انتقالها إلى كائن آخر ومواصلة النمو داخله.

وقد تساعد دراسة هذه الظاهرة في الإجابة عن أسئلة علمية مهمة، منها:

  • كيف تتجنب الخلايا السرطانية التعرف عليها والقضاء عليها بواسطة الجهاز المناعي؟
  • ما التغيرات الجينية التي تساعد الخلايا السرطانية على البقاء والانتشار؟
  • كيف تتكيف السلالات السرطانية مع الانتقال بين أجسام مختلفة؟
  • ما العوامل البيئية التي قد تسهم في انتشار الخلايا السرطانية بين الحيوانات؟

وقد تسهم الإجابة عن بعض هذه الأسئلة في توسيع المعرفة العلمية بآليات تطور السرطان ومقاومته للمناعة، لكنها لا تعني بالضرورة الوصول إلى علاج جديد للبشر في المستقبل القريب.

هل يهدد الاكتشاف البيئة والثروة السمكية

لا تزال الإجابة غير محسومة، إذ يحتاج العلماء إلى متابعة أعداد الأسماك المصابة ومعدلات انتشار المرض، وتحديد ما إذا كانت الخلايا السرطانية قادرة على الانتقال إلى مجموعات أخرى من الأسماك أو إلى بحيرات جديدة.

وتساعد هذه المتابعات على تقييم الأثر المحتمل للمرض في التوازن البيئي والتنوع البيولوجي، وتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى إجراءات رقابية أو برامج رصد إضافية.

ويؤكد الاكتشاف في النهاية أن السرطان ليس ظاهرة تقتصر على نشوء الأورام داخل جسم كل كائن على حدة؛ ففي حالات نادرة، يمكن للخلايا السرطانية نفسها أن تتحول إلى سلالة تنتقل بين الأفراد. ومع استمرار الأبحاث، يأمل العلماء في فهم الآليات التي تسمح بحدوث هذه الظاهرة الاستثنائية.