موقع الصحة نيوز

النسيان والتشوش الذهني.. متى يكونان نتيجة للتوتر ومتى يشيران إلى الاكتئاب

الإثنين 26 أكتوبر 2026 06:38 صـ 14 جمادى أول 1448 هـ
التشوش الذهني
التشوش الذهني

قد يعتقد كثيرون أن النسيان المتكرر والشعور بالتشوش الذهني يرجعان فقط إلى ضغوط الحياة اليومية أو كثرة المسؤوليات وتعدد المهام، لكن هذه الأعراض قد ترتبط أيضًا بمشكلات نفسية، من بينها القلق المزمن والاكتئاب، خاصة عندما تستمر لفترات طويلة وتؤثر في القدرة على ممارسة الأنشطة المعتادة.

وفي هذا السياق، أشارت أخصائية علم النفس يكاتيرينا ماكاروفا إلى أن التوتر والقلق المستمرين قد يؤثران في الانتباه والذاكرة، موضحة أن صعوبة التركيز والنسيان لا ينبغي التعامل معهما دائمًا باعتبارهما نتيجة طبيعية للإرهاق، خصوصًا إذا صاحبهما تغير واضح في الحالة المزاجية أو فقدان الاهتمام بالحياة اليومية.

ووفقًا لتصريحاتها فإن التمييز بين الإرهاق العابر والأعراض النفسية التي تستدعي التدخل المتخصص يعتمد على طبيعة الأعراض ومدتها ومدى تأثيرها في حياة الشخص اليومية.

ما أسباب النسيان والتشوش الذهني؟

يمكن أن يرتبط النسيان المؤقت وصعوبة التركيز بعدة عوامل، من بينها قلة النوم، والتوتر النفسي، والانشغال المستمر، وعدم تنظيم الأولويات.

وأوضحت ماكاروفا أن تعدد المهام وتأجيل المسؤوليات قد يدفعان الشخص إلى البقاء في حالة من التوتر المستمر، ما يجعل التركيز على مهمة واحدة أكثر صعوبة، ويؤثر في قدرته على تذكر المعلومات واسترجاعها.

فعندما ينشغل العقل بعدد كبير من المهام في الوقت نفسه، قد يجد الشخص صعوبة في ترتيب أفكاره أو متابعة التفاصيل، وهو ما قد يظهر في صورة نسيان المواعيد أو فقدان التركيز أثناء الحديث أو الشعور بعدم القدرة على إنجاز المهام المعتادة.

كما أشارت الأخصائية إلى أن القلق والتوتر المزمنين قد يرتبطان باضطرابات نفسية وجسدية، الأمر الذي يستدعي الانتباه إلى الأعراض المستمرة وعدم الاكتفاء بمحاولة التغلب عليها من خلال زيادة المجهود أو العمل لساعات أطول.

ومع ذلك، فإن النسيان والتشوش الذهني لا يعنيان بالضرورة الإصابة بالاكتئاب؛ فقد تكون لهما أسباب متعددة، ويحتاج تحديد السبب إلى تقييم الحالة والأعراض المصاحبة لها.

كيف تميز بين الإرهاق الطبيعي وبداية الاكتئاب؟

يتمثل أحد الفروق المهمة في أن الإرهاق المرتبط بضغوط الحياة قد يتحسن بعد الحصول على قسط كافٍ من النوم والراحة وتقليل المسؤوليات، بينما قد تستمر أعراض الاكتئاب رغم الراحة، وتؤثر في الحالة المزاجية والدافعية والقدرة على الاستمتاع بالأنشطة اليومية.

وبحسب ماكاروفا، هناك مجموعة من العلامات التي تستدعي الانتباه، خاصة عندما تظهر بصورة مستمرة أو تتزايد مع مرور الوقت.

1. فقدان الشعور بالمتعة

إذا لم تعد الأنشطة التي كانت تمنح الشخص السعادة أو الاستمتاع تثير اهتمامه، فقد يكون ذلك مؤشرًا يستحق التقييم، خاصة إذا استمر هذا التغير وأصبح يشمل جوانب متعددة من الحياة.

ويختلف هذا الشعور عن التعب المؤقت بعد يوم مرهق؛ إذ قد يجد الشخص نفسه غير قادر على الاستمتاع بالهوايات أو اللقاءات الاجتماعية أو الأنشطة التي كان يفضلها سابقًا.

ويُعرف فقدان القدرة على الشعور بالمتعة باسم «انعدام التلذذ»، وهو أحد الأعراض التي قد تظهر لدى المصابين بالاكتئاب، لكنه لا يكفي بمفرده لتشخيص الحالة.

2. اللامبالاة وفقدان الحافز

تُعد اللامبالاة وانخفاض الدافعية من العلامات التي تستحق الانتباه، خاصة عندما يفقد الشخص رغبته في ممارسة أنشطته المعتادة أو يجد صعوبة متزايدة في البدء بالمهام اليومية.

وقد يظهر ذلك في صورة تأجيل مستمر للمسؤوليات، أو الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية، أو الشعور بأن المهام البسيطة أصبحت تحتاج إلى مجهود نفسي كبير.

وتوضح هذه العلامات أهمية النظر إلى التغيرات المستمرة في السلوك والحالة المزاجية، بدلًا من تفسيرها دائمًا على أنها كسل أو ضعف في الإرادة.

3. اضطرابات النوم والشعور المستمر بالضعف

قد تؤثر المشكلات النفسية في نمط النوم، سواء من خلال صعوبة الاستغراق فيه، أو الاستيقاظ المتكرر خلال الليل، أو النوم لفترات أطول من المعتاد مع استمرار الشعور بالتعب.

وقد يصاحب ذلك ضعف في الطاقة وصعوبة في التركيز وإنجاز المسؤوليات اليومية.

وأشارت ماكاروفا إلى أن اضطرابات النوم وفقدان الحافز واللامبالاة وانخفاض الشعور بالمتعة من العلامات التحذيرية التي تستدعي استشارة مختص نفسي عند استمرارها.

ومن المهم الانتباه إلى أن هذه الأعراض قد ترتبط أيضًا بمشكلات صحية أخرى؛ لذلك لا ينبغي افتراض أن سببها نفسي دون تقييم مناسب.

متى يجب استشارة الطبيب النفسي؟

توصي الأخصائية بطلب المساعدة المتخصصة عندما تستمر الأعراض أو تؤثر بوضوح في الحياة اليومية، خاصة إذا فقد الشخص اهتمامه بالأنشطة التي كان يستمتع بها، أو عانى من اللامبالاة واضطرابات النوم والشعور المستمر بالضعف.

كما ينبغي عدم تجاهل تراجع التركيز والذاكرة إذا كان مستمرًا أو متفاقمًا، أو إذا صاحبه تغير ملحوظ في السلوك أو القدرة على أداء المهام المعتادة.

ومن الضروري طلب المساعدة العاجلة إذا ظهرت أفكار انتحارية أو أفكار لإيذاء النفس، وعدم الانتظار حتى تتحسن الحالة من تلقاء نفسها. وإذا كان هناك خطر فوري، ينبغي التواصل مع خدمات الطوارئ المحلية أو التوجه إلى أقرب قسم طوارئ، مع الاستعانة بشخص موثوق للبقاء مع المصاب.

ولا تعني استشارة الطبيب النفسي بالضرورة وجود اضطراب خطير، بل تساعد على فهم الأعراض وتحديد أسبابها واختيار أسلوب التعامل المناسب معها.

كيف تساعد نفسك على تقليل التوتر والحفاظ على الذاكرة؟

أكدت ماكاروفا أهمية مراجعة نمط الحياة وتنظيم الوقت والاهتمام بالتوازن بين العمل والراحة، موضحة أن تقليل التوتر واستنزاف الطاقة المفرط قد يساعدان على تحسين القدرة على التركيز والتعامل مع المسؤوليات اليومية.

ويمكن الاستفادة من مجموعة من الخطوات العملية، أبرزها:

  • تنظيم الروتين اليومي: تحديد أوقات منتظمة للنوم والعمل والراحة، مع تجنب تحميل اليوم عددًا كبيرًا من المهام.
  • تقليل تعدد المهام: التركيز على مهمة واحدة في كل مرة، وتقسيم الأعمال الكبيرة إلى خطوات صغيرة يسهل إنجازها.
  • الاهتمام بالنوم: الحفاظ على مواعيد نوم واستيقاظ منتظمة، وتقليل الأنشطة التي تعوق الاسترخاء قبل النوم.
  • الحصول على فترات راحة: أخذ استراحات قصيرة خلال العمل، خاصة عند الشعور بالإجهاد الذهني أو تراجع التركيز.
  • ممارسة النشاط البدني: اختيار نشاط مناسب، مثل المشي، بما يساعد على دعم الصحة العامة وتحسين المزاج.
  • تدوين المهام والمواعيد: استخدام قائمة يومية أو تقويم لتقليل العبء على الذاكرة وتجنب نسيان المسؤوليات.
  • طلب الدعم عند الحاجة: التحدث مع شخص موثوق أو الاستعانة بمختص إذا أصبح التوتر مستمرًا أو بدأت الأعراض تؤثر في الحياة اليومية.

وتساعد هذه الخطوات على تنظيم نمط الحياة، لكنها لا تغني عن التقييم الطبي أو النفسي إذا استمرت الأعراض أو ازدادت حدتها.

هل يعني النسيان المتكرر الإصابة بالاكتئاب؟

لا يعني النسيان المتكرر أو الشعور بالتشوش الذهني وحدهما أن الشخص مصاب بالاكتئاب؛ إذ يمكن أن يتأثرا بقلة النوم والضغط النفسي والانشغال المستمر، كما قد يرتبطان بأسباب صحية أخرى تحتاج إلى تقييم.

لكن إذا اجتمع النسيان مع فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، أو اللامبالاة، أو اضطرابات النوم، أو انخفاض الطاقة، فمن المهم عدم تجاهل هذه التغيرات، خاصة إذا استمرت معظم الأيام لمدة أسبوعين أو أكثر أو أثرت في أداء المسؤوليات اليومية.

وقد يقيّم المختص الحالة المزاجية ونمط النوم والأدوية المستخدمة والعوامل الصحية الأخرى للوصول إلى تفسير أدق للأعراض.

قد يكون النسيان والتشوش الذهني نتيجة للتوتر وتعدد المهام وقلة النوم، لكن استمرارهما، خاصة مع فقدان المتعة واللامبالاة واضطرابات النوم، يستدعي الانتباه إلى احتمال وجود مشكلة نفسية أو صحية تحتاج إلى تقييم.

وتؤكد أهمية هذه العلامات ضرورة تحقيق التوازن بين العمل والراحة، وتنظيم المهام، والاهتمام بالنوم، مع عدم التردد في طلب المساعدة المتخصصة عندما تؤثر الأعراض في جودة الحياة أو القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية.