موقع الصحة نيوز

هل يمكن الاستغناء عن 8 ساعات نوم

الأربعاء 4 نوفمبر 2026 10:42 صـ 23 جمادى أول 1448 هـ
هل تنام 4 ساعات فقط دون تعب
هل تنام 4 ساعات فقط دون تعب

في الوقت الذي يحتاج فيه معظم الأشخاص إلى النوم من 7 إلى 9 ساعات يوميًا للحفاظ على صحتهم ونشاطهم، يتمكن بعض الأشخاص من الاكتفاء بـ4 إلى 6 ساعات فقط من النوم، دون الشعور بالإرهاق أو التأثر الواضح بقلة النوم، وهو ما أثار اهتمام العلماء ودفعهم إلى البحث عن السر وراء هذه القدرة الاستثنائية.

وكشفت أبحاث علمية أن السبب قد يعود إلى طفرات جينية نادرة تؤثر في احتياجات الجسم من النوم، وتمنح حامليها قدرة مختلفة على تنظيم ساعات الراحة والتعامل مع آثار الاستيقاظ لفترات طويلة.

إن هذه الاكتشافات قد تفتح آفاقًا جديدة لفهم بيولوجيا النوم، وتطوير علاجات مستقبلية لبعض اضطرابات النوم، لكنها لا تعني أن تقليل ساعات النوم آمن لجميع الأشخاص.

طفرات جينية تسمح للبعض بالنوم 4 ساعات فقط

توصل العلماء إلى أن بعض الأشخاص يمتلكون تغيرات جينية نادرة تجعلهم يحتاجون إلى ساعات نوم أقل من المعتاد، دون ظهور الآثار الصحية والسلوكية الشائعة المرتبطة بالحرمان من النوم.

وتُعرف هذه الحالة باسم «متلازمة قصر النوم الطبيعي العائلي» وهي حالة وراثية نادرة ترتبط بقدرة أصحابها على الاكتفاء بفترات نوم قصيرة نسبيًا مع الحفاظ على مستوى جيد من النشاط خلال اليوم.

ومن بين الأشخاص الذين اكتشفوا امتلاكهم هذه الصفة إيمي بو برنارد، أستاذة علم المناعة بجامعة كولورادو، التي اعتادت منذ طفولتها النوم مبكرًا والاستيقاظ في الرابعة والنصف صباحًا.

وتقول برنارد إنها تنام عادة نحو 6 ساعات ونصف، وقد تنخفض المدة أحيانًا إلى 5 ساعات، ومع ذلك تستطيع ممارسة الرياضة والمشي والعمل بكفاءة خلال اليوم.

واكتشفت عام 2019 أنها تحمل طفرة جينية مرتبطة بمتلازمة قصر النوم الطبيعي العائلي، وهو ما ساعد في تفسير اختلاف احتياجاتها من النوم مقارنة بمعظم الأشخاص.

كيف تؤثر الطفرات الجينية في احتياجات الجسم من النوم

خلال السنوات الأخيرة، تمكن الباحثون من تحديد عدد من المتغيرات الجينية المرتبطة بقصر مدة النوم، وأظهرت الدراسات أن بعض هذه الطفرات قد تؤثر ليس فقط في عدد ساعات النوم، ولكن أيضًا في طريقة تعامل الدماغ والجسم مع قلة النوم.

وفي تجربة علمية أُجريت عام 2019، أدخل الباحثون طفرة جينية مرتبطة بقصر النوم الطبيعي العائلي إلى مجموعة من الفئران، ولاحظوا أن الحيوانات الحاملة للطفرة كانت تنام لفترات أقصر، لكنها أظهرت ضعفًا أقل في الذاكرة مقارنة بغيرها.

كما أظهرت اختبارات أخرى انخفاض قابلية بعض الفئران الحاملة لهذه الطفرة للتأثر بنموذج مرض الزهايمر المستخدم في التجارب الحيوانية.

وتشير هذه النتائج إلى أن بعض الجينات قد تؤثر في كفاءة النوم والعمليات البيولوجية المرتبطة به، إلا أن النتائج التي تظهر في الحيوانات لا تعني بالضرورة تحقق التأثير نفسه لدى البشر.

تجربة على توأمين تكشف اختلاف القدرة على تحمل قلة النوم

ومن الأدلة التي أثارت اهتمام الباحثين دراسة بشرية أُجريت عام 2014 على توأمين غير متطابقين، كان أحدهما يحمل طفرة جينية مرتبطة بقصر النوم، بينما لم يحملها الآخر.

وأظهرت النتائج أن التوأم الحامل للطفرة كان ينام أقل بنحو ساعة تقريبًا من شقيقه، كما سجل تراجعًا أقل في الأداء خلال تجربة تضمنت البقاء مستيقظًا لمدة 38 ساعة.

وبحسب نتائج الدراسة، كان تراجع أدائه أقل بنحو 40% مقارنة بالتوأم الآخر.

ولاحظ الباحثون أيضًا أن الشخص الذي ينام لفترة أقصر كان يحصل على قدر مماثل تقريبًا من نوم حركة العين غير السريعة ، بما يشمل مراحل النوم العميق.

ويرجح ذلك أن بعض الأشخاص قد يمتلكون كفاءة مختلفة في الاستفادة من ساعات النوم، لكن هذه النتائج لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد آلياتها بدقة.

هل ينجح العلماء في تطوير أدوية تقلل الحاجة إلى النوم

مع تزايد الاكتشافات المتعلقة بالجينات المنظمة للنوم، أصبح العلماء وشركات الأدوية أكثر اهتمامًا بدراسة الآليات البيولوجية التي تسمح لبعض الأشخاص بالاكتفاء بساعات نوم محدودة دون ظهور التأثيرات المعتادة للحرمان من النوم.

ويأمل الباحثون أن تساعد هذه الاكتشافات مستقبلًا في تطوير علاجات جديدة لاضطرابات النوم، وفهم كيفية تحسين كفاءة النوم، وربما مساعدة بعض الفئات التي تواجه ظروفًا تتطلب البقاء مستيقظة لفترات طويلة.

لكن تطوير أدوية تقلل الحاجة إلى النوم لا يزال أمرًا معقدًا، إذ يتطلب فهمًا دقيقًا لتأثير الطفرات الجينية على الدماغ والجسم، والتأكد من عدم حدوث أضرار صحية طويلة الأمد.

وحذرت الباحثة يينج-هوي فو من أن استخدام أدوية تستهدف تقليل الحاجة إلى النوم دون فهم آلياتها وتأثيراتها قد يحمل مخاطر صحية، من بينها زيادة احتمالات الإصابة بأمراض مثل ألزهايمر وباركنسون والسرطان.

244 منطقة جينية مرتبطة بمدة النوم

ولا تقتصر الاختلافات في ساعات النوم على الطفرات النادرة، إذ تشير الأبحاث إلى أن العوامل الوراثية تفسر ما بين 30 و65% من الاختلافات في مدة النوم بين الأشخاص.

وفي تحليل جيني حديث شمل بيانات نحو 650 ألف شخص بالغ، تمكن الباحثون من تحديد قرابة 244 منطقة جينية مرتبطة بمدة النوم.

وأوضح الباحثون أن تأثير كل متغير جيني بمفرده يكون محدودًا للغاية، إذ قد يرتبط بتغير في مدة النوم لا يتجاوز دقيقة واحدة تقريبًا، لكن اجتماع عدد كبير من هذه المتغيرات قد يؤدي إلى اختلافات أكبر بين الأفراد.

كما أظهرت دراسة شملت 343 امرأة مصابة بالاضطراب ثنائي القطب وأنجبن أطفالًا، أن النساء اللاتي لديهن استعداد وراثي أكبر لقصر النوم كن أقل عرضة للإصابة بذهان ما بعد الولادة بنحو النصف، مقارنة بالنساء الأقل استعدادًا وراثيًا.

ويرجح الباحثون أن بعض العوامل الوراثية قد تؤثر في قدرة الجسم على تحمل اضطرابات النوم، لكن هذه النتائج لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث لتأكيد طبيعة العلاقة.

تحذير مهم.. قلة النوم ليست مفيدة للجميع

على الرغم من هذه الاكتشافات، يحذر العلماء من الاعتقاد بأن النوم 4 أو 5 ساعات يوميًا يمثل عادة صحية يمكن للجميع اتباعها، فامتلاك استعداد وراثي نادر لقصر النوم يختلف تمامًا عن تقليل ساعات النوم بسبب العمل أو السهر أو استخدام الأجهزة الإلكترونية.

كما ربطت أبحاث أخرى بعض المتغيرات الجينية المرتبطة بقصر النوم بزيادة احتمالات الإصابة بالأرق والشعور بالتعب، إلى جانب ارتباطها بمشكلات صحية ونفسية، مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وأعراض الاكتئاب ومرض السكري من النوع الثاني.

والأكثر أهمية أن بعض الأشخاص قد يعتقدون أنهم يؤدون مهامهم بصورة طبيعية رغم النوم لفترات قصيرة، بينما تكون قدراتهم الذهنية والتركيز والانتباه قد تراجعت بالفعل دون أن يدركوا ذلك.

وفي هذا السياق، أوضح الباحث هانز فان دونغن، المتخصص في علوم النوم بجامعة ولاية واشنطن، أن استمرار قلة النوم قد يؤدي إلى تدهور الأداء الذهني تدريجيًا، في الوقت الذي يفقد فيه الشخص القدرة على تقدير حجم هذا التراجع بصورة صحيحة.

كم ساعة يحتاج الإنسان إلى النوم يوميًا

يحتاج معظم البالغين إلى نحو 7 إلى 9 ساعات من النوم كل ليلة للحفاظ على الصحة الجسدية والذهنية، ودعم الذاكرة والتركيز وتنظيم العمليات الحيوية داخل الجسم.

ويرى العلماء أن تحديد الأشخاص الذين يمتلكون احتياجًا طبيعيًا منخفضًا للنوم لا يمكن أن يعتمد فقط على عدد الساعات التي ينامونها أو شعورهم بالنشاط عند الاستيقاظ، بل يحتاج إلى دراسات متخصصة وتقييمات دقيقة للعوامل الوراثية والوظائف الإدراكية.

ومن المتوقع أن تساعد الأبحاث الجينية المستقبلية في التمييز بين الأشخاص الذين يمتلكون قدرة وراثية حقيقية على الاكتفاء بنوم قصير، وبين أولئك الذين يعانون من نقص النوم دون إدراك آثاره الصحية.

النوم القليل ليس دليلًا على القوة أو النشاط، فهناك فئة نادرة تمتلك طفرات جينية تسمح لها بالنوم لساعات أقل، لكن بالنسبة لمعظم الناس يظل الحصول على 7 إلى 9 ساعات من النوم يوميًا ضرورة للحفاظ على صحة الدماغ والجسم.