حقنة واحدة قد توفر تخديرًا موضعيًا لأسابيع.. ابتكار جديد من باحثي بوسطن
تمكن باحثون في مستشفى بوسطن للأطفال بالولايات المتحدة من تطوير نظام دوائي قابل للحقن يهدف إلى إطالة تأثير التخدير الموضعي حول الأعصاب، ونجح النظام خلال التجارب التي أجريت على الفئران في الحفاظ على تأثير التخدير لمدة تراوحت بين أسبوعين و3 أسابيع.
ونُشرت نتائج البحث في دورية Nature Biomedical Engineering، وأظهرت التجارب أن النظام التجريبي استطاع إطالة مدة التخدير بصورة كبيرة مقارنة بتركيبة تجارية استمر تأثيرها في التجارب نفسها لنحو 4 إلى 8 ساعات.
لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تزال مقتصرة على التجارب الحيوانية، ولم يُختبر النظام حتى الآن على البشر، وبالتالي لا يمكن اعتبار هذه التقنية علاجًا متاحًا للاستخدام الطبي في الوقت الحالي.
تخدير يمتد لأسابيع بدلًا من ساعات
يمثل طول مدة تأثير التخدير أحد أبرز جوانب النظام الجديد، إذ نجح في إبقاء المنطقة المستهدفة تحت تأثير التخدير لفترة تصل إلى 3 أسابيع في تجارب الفئران.
وفي المقابل، استمر تأثير التركيبة التجارية المستخدمة للمقارنة خلال التجارب لفترة تراوحت بين 4 و8 ساعات.
ويشير الباحثون إلى أن إطالة مدة التخدير الموضعي قد تكون ذات أهمية مستقبلية في الحالات التي تحتاج إلى السيطرة على الألم لفترة ممتدة، إلا أن تحديد الاستخدامات الطبية المحتملة يتطلب أولًا إثبات سلامة وفعالية النظام لدى البشر.
ما هي تقنية الليبوسومات
يعتمد النظام الدوائي الجديد على ما يعرف باسم الجسيمات الدهنية أو الليبوسومات (Liposomes).
والليبوسومات عبارة عن تراكيب مجهرية مكونة من الدهون، ويمكن استخدامها كوسيلة لحمل المواد الدوائية داخل الجسم والمساعدة في إطلاقها بصورة تدريجية.
وتستخدم هذه الفكرة في أبحاث توصيل الأدوية، إذ يمكن تصميم خصائص الجسيمات الدهنية بهدف التحكم في طريقة خروج المادة الدوائية ومعدل إطلاقها.
مفاجأة في سلوك الدهون
استند الباحثون إلى فكرة مفادها أن الأغشية الدهنية الأكثر سيولة قد تسمح عادة بتسرب بعض الأدوية بصورة أسرع.
لكن التجارب الجديدة أظهرت أن سلوك هذه الأغشية يمكن أن يكون مختلفًا مع الأدوية القابلة للذوبان في الماء.
وأظهرت النتائج أن الليبوسومات المصنوعة من دهون تحتوي على عدد كبير من الروابط الكيميائية المزدوجة لم تتخذ شكلًا كرويًا بسيطًا فقط، وإنما شكلت عددًا من الطبقات والحواجز الداخلية المتتالية.
ويعتقد الباحثون أن هذه البنية ساعدت على إبطاء خروج المادة المخدرة من الجسيمات الدهنية، وبالتالي إطالة مدة تأثيرها حول الأعصاب.
كيف يعمل النظام الدوائي
يعتمد النظام على إطلاق المادة المخدرة تدريجيًا من داخل الجسيمات الدهنية الموجودة حول الأعصاب.
وبدلًا من خروج الدواء بسرعة بعد الحقن، تسمح البنية الداخلية للجسيمات بإطلاقه على فترة أطول، ما يحافظ على كمية من المادة الفعالة بالقرب من الأعصاب لفترة ممتدة.
ووفق النتائج المنشورة، ساعدت هذه الآلية في الحفاظ على تأثير التخدير في الفئران لمدة تراوحت بين أسبوعين و3 أسابيع.
عدم رصد سمية واضحة في التجارب
من النتائج التي أشار إليها الباحثون أيضًا أنهم لم يرصدوا خلال التجارب سمية واضحة في موضع الحقن أو في أنحاء الجسم.
ويشير ذلك، وفق تفسير الباحثين، إلى أن المادة الدوائية خرجت من الجسيمات الدهنية بصورة بطيئة سمحت للجسم بالتخلص منها تدريجيًا، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بكمية كافية لإحداث التأثير المخدر.
ومع ذلك، فإن غياب السمية الواضحة في التجارب الحيوانية لا يعني تلقائيًا أن النظام آمن لدى البشر، إذ تحتاج هذه النقطة إلى تقييم مستقل خلال مراحل لاحقة من البحث.
هل يمكن استخدام الحقنة الجديدة على البشر
حتى الآن، لا.
فنتائج البحث لا تزال مقتصرة على التجارب التي أجريت على الفئران، ولم يخضع النظام لاختبارات سريرية على البشر.
وبالتالي، لا يمكن معرفة مدى فعاليته أو سلامته أو الجرعة المناسبة للإنسان قبل إجراء دراسات إضافية، ثم تجارب سريرية مصممة لتقييم المخاطر والفوائد المحتملة.
كما أن نجاح تقنية دوائية في الحيوانات لا يضمن بالضرورة تحقيق النتائج نفسها لدى البشر، إذ قد تختلف الاستجابة الدوائية وآليات التخلص من المادة الفعالة بين الأنواع.
ماذا تعني نتائج الدراسة مستقبلًا
تمثل الدراسة خطوة بحثية في مجال التخدير الموضعي وتوصيل الأدوية، خصوصًا أن إطالة تأثير التخدير من ساعات إلى أسابيع قد تفتح المجال أمام تطوير طرق جديدة للتحكم في الألم لفترات طويلة.
لكن الطريق من التجارب الحيوانية إلى الاستخدام الطبي طويل، ويتطلب إثبات سلامة التقنية وفعاليتها لدى البشر، إلى جانب تحديد الجرعات المناسبة ومراقبة الآثار الجانبية المحتملة.
لذلك، فإن النتائج الحالية تعد واعدة على مستوى البحث العلمي، لكنها لا تعني أن تخديرًا موضعيًا يستمر لأسابيع أصبح متاحًا للمرضى.
