الأحد 1 نوفمبر 2026 07:21 مـ 20 جمادى أول 1448 هـ
×

​​​​​​​علماء يكشفون سرًا غريبًا في مناعة البكتيريا.. خلية تدمر نفسها لإنقاذ المستعمرة من الفيروسات

الأحد 1 نوفمبر 2026 05:56 مـ 20 جمادى أول 1448 هـ
مناعة البكتيريا
مناعة البكتيريا

كشف علماء عن آلية دفاع مناعية غير تقليدية لدى البكتيريا، تعتمد على دفع الخلية المصابة بالفيروسات إلى تدمير نفسها ذاتيًا، في خطوة تهدف إلى حماية بقية الخلايا ومنع انتشار العدوى داخل المستعمرة البكتيرية.

ويحمل النظام المكتشف اسم «ريترونات النوع السادس»، ويتميز بآلية عمل تختلف عن أنظمة الدفاع البكتيرية المعروفة، إذ يستخدم الحمض النووي لتنشيط إنتاج بروتين سام، بدلًا من الاعتماد على تحرير سم موجود مسبقًا داخل الخلية.

ويفتح هذا الاكتشاف آفاقًا جديدة لفهم كيفية تطور أنظمة المناعة لدى الكائنات الدقيقة، والطرق التي تستخدمها البكتيريا لمواجهة الفيروسات التي تستهدفها، والمعروفة باسم العاثيات البكتيرية.

ريترونات النوع السادس.. نظام مناعي يدفع الخلية المصابة إلى الانتحار

تتعرض البكتيريا باستمرار لهجمات العاثيات، وهي فيروسات متخصصة في إصابة الخلايا البكتيرية واستغلال آلياتها الحيوية لإنتاج نسخ جديدة من الفيروس، قبل الانتقال إلى إصابة خلايا أخرى.

ولمواجهة هذه التهديدات، طورت البكتيريا مجموعة متنوعة من الأنظمة الدفاعية، من بينها أنظمة الريترونات التي تساعد على اكتشاف العدوى والتعامل معها.

وتعتمد بعض أنظمة الدفاع البكتيرية على آلية تقوم على وجود بروتين سام داخل الخلية، يظل نشاطه مقيدًا بواسطة جزيئات قصيرة من الحمض النووي أحادي الجديلة، وعندما تهاجم العاثيات الخلية يحدث اضطراب في هذا التوازن، ما يسمح بتحرير تأثير البروتين السام والتسبب في موت الخلية المصابة.

لكن ريترونات النوع السادس كشفت عن استراتيجية مختلفة، إذ لا يعتمد النظام على تحرير سم جاهز فحسب، بل يستخدم الحمض النووي نفسه لتنشيط إنتاج البروتين المسؤول عن قتل الخلية.

كيف يستخدم الحمض النووي لتشغيل البروتين السام؟

واجه الباحثون في البداية صعوبة في تفسير طريقة عمل هذا النظام، بعدما لم يتمكنوا من رصد الحمض النووي الذي كان من المفترض أن ينتجه، وهو ما دفعهم للاعتقاد بأنه غير نشط.

لكن التجارب اللاحقة كشفت أن النظام ينتج كميات ضئيلة للغاية من الحمض النووي داخل الخلايا البكتيرية السليمة، بينما يرتفع إنتاجه بصورة كبيرة عند تعرض الخلية لهجوم فيروسي.

وتتمثل الخطوة الحاسمة في تفاعل الحمض النووي المتراكم مع جزيء من الحمض النووي الريبي، كان يعمل على منع تصنيع البروتين السام.

ومع حدوث هذا التفاعل، يُرفع القيد المفروض على إنتاج البروتين، فتتمكن الخلية من تصنيعه بسرعة، ليبدأ دوره في إحداث اضطراب في غشاء الخلية البكتيرية.

بروتين سام يضرب غشاء الخلية ويوقف انتشار العدوى

أظهرت النتائج أن البروتين الناتج يتميز بصغر حجمه، لكنه يمتلك القدرة على الاندماج في غشاء الخلية البكتيرية والتأثير في استقراره، ما يؤدي إلى موت الخلية المصابة.

ورغم أن هذه العملية تعني التضحية بخلية بكتيرية، فإنها تمثل وسيلة دفاع جماعية تحرم الفيروس من استكمال دورة تكاثره، وتحد من انتقال العدوى إلى الخلايا المجاورة.

وبذلك تتحول الخلية المصابة إلى خط دفاع أخير لحماية بقية المستعمرة، في استراتيجية تعكس أهمية التضحية على مستوى الخلية الواحدة من أجل بقاء المجموعة.

تقنية سبايسر-سيك تكشف أسرار النظام المناعي البكتيري

ولم يكن الوصول إلى هذه الآلية أمرًا سهلًا، إذ فشلت الاختبارات التقليدية في رصد الكميات الضئيلة من الحمض النووي التي ينتجها النظام داخل الخلايا غير المصابة.

وللتغلب على هذه المشكلة، استعان الباحثون بتقنية «سبايسر-سيك» (Spacer-Seq)، التي طُورت في مختبر الباحث سيث شيبمان، وتعتمد على مكونات نظام كريسبر-كاس لتسجيل النشاط الجزيئي داخل الخلايا.

وساعدت التقنية على الكشف عن آثار الحمض النووي التي لم تتمكن وسائل القياس التقليدية من رصدها، ما أتاح للباحثين فهم التغيرات التي تحدث عند تعرض البكتيريا للهجوم الفيروسي.

وأظهرت النتائج أن الكميات المحدودة من الحمض النووي الموجودة في الظروف الطبيعية ليست دليلًا على خمول النظام، بل تمثل جزءًا من آلية دفاعية يتم تنشيطها بقوة عند حدوث العدوى.

ماذا يعني الاكتشاف الجديد لفهم مناعة البكتيريا؟

يمثل اكتشاف ريترونات النوع السادس إضافة مهمة إلى فهم العلماء للأنظمة المناعية لدى البكتيريا، خاصة أنه يكشف عن طريقة مختلفة لتنظيم إنتاج البروتينات السامة والاستجابة للعدوى الفيروسية.

كما يوضح أن البكتيريا لا تعتمد فقط على تدمير الفيروسات أو مقاومة دخولها، بل يمكنها التضحية بالخلايا المصابة لمنع انتشار العدوى داخل المجموعة.

ويعزز الاكتشاف أهمية دراسة التفاعلات الدقيقة بين الحمض النووي والحمض النووي الريبي والبروتينات داخل الخلايا، لفهم آليات الدفاع البيولوجية التي طورتها الكائنات الدقيقة على مدار تطورها.

ويؤكد الباحثون أن فهم هذه الأنظمة يوسع المعرفة العلمية بالمناعة البكتيرية، ويفتح المجال أمام أبحاث مستقبلية لاستكشاف وظائف الريترونات المختلفة وتنوع استراتيجيات الدفاع التي تستخدمها البكتيريا في مواجهة الفيروسات.