الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 10:57 صـ 22 جمادى أول 1448 هـ
×

طفرة جينية تجعل أصحابها ينامون 4 ساعات فقط دون تعب.. هل يمتلك بعض الأشخاص قدرة وراثية على الاستغناء عن النوم الطويل

الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 09:24 صـ 22 جمادى أول 1448 هـ
ألزهايمر
ألزهايمر

في الوقت الذي يحتاج فيه معظم الأشخاص إلى النوم من 7 إلى 9 ساعات يوميًا للحفاظ على صحتهم الجسدية والنفسية، يمتلك بعض الأشخاص قدرة وراثية نادرة تمكنهم من النوم لساعات أقل بكثير، دون الشعور بالإرهاق أو التأثر الواضح بقلة النوم، وهو ما أثار اهتمام العلماء والباحثين خلال السنوات الماضية.

وكشف باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو عام 2019 عن طفرة جينية مرتبطة بمدة النوم لدى البشر، لدى أشخاص يعانون من حالة وراثية نادرة تُعرف باسم «متلازمة النوم القصير الطبيعي العائلي»، حيث يستطيع المصابون بها النوم لمدة تتراوح بين 4 و6.5 ساعات ليلًا، مع الاستيقاظ مبكرًا والاحتفاظ بمستويات جيدة من النشاط خلال اليوم.

وأعادت هذه الحالة فتح الباب أمام تساؤلات علمية مهمة حول العلاقة بين الجينات واحتياجات الإنسان من النوم، وما إذا كان من الممكن أن تساعد دراسة هذه الطفرات مستقبلًا في تطوير علاجات لاضطرابات النوم والحماية من بعض الآثار الصحية المرتبطة بقلة النوم.

ما متلازمة النوم القصير الطبيعي العائلي؟

تُعرف هذه الحالة طبيًا باسم «Familial Natural Short Sleep»، وهي حالة وراثية نادرة يتميز أصحابها بالحاجة إلى عدد ساعات نوم أقل من المعتاد، دون ظهور التأثيرات التقليدية للحرمان من النوم بالدرجة نفسها التي تظهر لدى معظم الأشخاص.

وكشف الباحثون أن بعض حاملي الطفرات الجينية المرتبطة بهذه الحالة ينامون من 4 إلى 6.5 ساعات يوميًا، ويستيقظون بصورة طبيعية في وقت مبكر، مع احتفاظهم بالقدرة على ممارسة أنشطتهم اليومية دون الشعور بالإجهاد المعتاد الناتج عن قلة النوم.

ومن بين الأشخاص الذين يحملون هذه الطفرة أيمي بو برنارد، أستاذة المناعة بجامعة كولورادو، التي تنام عادةً في العاشرة مساءً وتستيقظ قرابة الساعة الرابعة والنصف فجرًا، وتتمتع بالنشاط طوال اليوم، كما يحمل والدها وشقيقها الحالة الوراثية نفسها.

وتوضح هذه الحالة أن احتياجات النوم قد تختلف من شخص إلى آخر نتيجة عوامل وراثية وبيولوجية، لكنها تظل حالة نادرة لا يمكن تعميمها على غالبية الأشخاص.

كم ساعة يحتاج الإنسان إلى النوم يوميًا؟

على الرغم من وجود أشخاص يمتلكون استعدادًا وراثيًا للنوم لساعات أقل، فإن التوصيات الصحية العامة تؤكد أهمية الحصول على عدد كافٍ من ساعات النوم للحفاظ على وظائف الجسم والدماغ.

ووفقًا للمؤسسة الوطنية الأمريكية للنوم، يحتاج البالغون الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و64 عامًا إلى النوم لمدة تتراوح بين 7 و9 ساعات يوميًا.

ويساعد النوم المنتظم على دعم الذاكرة والتركيز وتنظيم الهرمونات وتعزيز المناعة، كما يلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على صحة القلب والتمثيل الغذائي والتوازن النفسي.

لذلك، لا تعني الطفرات الجينية المرتبطة بالنوم القصير أن تقليل ساعات النوم يمثل خيارًا صحيًا للجميع، فالأشخاص الذين لا يحملون هذه الاستعدادات الوراثية قد يتعرضون لمشكلات صحية نتيجة الحرمان المستمر من النوم.

هل تحمي الطفرات الجينية أصحابها من أضرار قلة النوم؟

من أكثر الجوانب التي أثارت اهتمام الباحثين أن بعض الطفرات الجينية المرتبطة بالنوم القصير قد تمنح أصحابها حماية محتملة من بعض التأثيرات السلبية المرتبطة بقلة النوم.

 أشارت مجموعة من الدراسات إلى أن هذه الطفرات قد تساعد الدماغ على الحفاظ على بعض وظائفه الحيوية رغم قصر مدة النوم.

وفي تجربة قادها العالم ينغ-هوي فو عام 2019، درس الباحثون فئرانًا تحمل طفرة جينية مشابهة لتلك المرتبطة بالنوم القصير الطبيعي لدى البشر.

وأظهرت النتائج أن الفئران الحاملة للطفرة كانت تنام لفترات أقل، لكنها بدت أقل تأثرًا ببعض المشكلات المرتبطة بضعف الذاكرة، كما أظهرت انخفاضًا في قابليتها للتأثر بنموذج تجريبي لمرض ألزهايمر.

وتفتح هذه النتائج المجال أمام دراسة الآليات البيولوجية التي قد تساعد بعض الكائنات على الحفاظ على وظائف الدماغ رغم انخفاض مدة النوم، إلا أنها لا تعني إثبات وجود حماية مؤكدة من ألزهايمر لدى البشر.

دراسة على التوائم تكشف علاقة الجينات بكفاءة النوم

وفي دراسة أخرى أجريت عام 2014 على توأمين غير متطابقين، توصل الباحثون إلى نتائج لافتة بشأن تأثير الطفرات الجينية على الأداء العقلي بعد فترات طويلة من الاستيقاظ.

وأظهرت الدراسة أن التوأم الحامل للطفرة الجينية المرتبطة بقصر النوم كان ينام أقل من شقيقه بنحو ساعة، وسجل أخطاء أقل بنحو 40% في الاختبارات التي أجريت بعد مرور 38 ساعة من اليقظة.

كما كانت نسبة النوم العميق لديه مماثلة تقريبًا لشقيقه، وهو ما دفع الباحثين إلى الاهتمام بدراسة العلاقة بين مدة النوم وكفاءته، ومدى تأثير العوامل الوراثية على قدرة الدماغ على التعافي وأداء وظائفه.

وتشير هذه النتائج إلى أن عدد ساعات النوم وحده قد لا يفسر جميع الاختلافات الفردية في الاحتياجات البيولوجية للنوم، وأن فهم جودة النوم وآليات عمل الدماغ يمثل جانبًا أساسيًا من الأبحاث المستقبلية.

مئات المتغيرات الجينية تتحكم في عدد ساعات النوم

لا تتوقف العلاقة بين الجينات والنوم عند طفرة واحدة، إذ تشير الأبحاث إلى أن مدة النوم تتأثر بمئات المتغيرات الجينية التي تعمل معًا وتساهم في تحديد احتياجات كل شخص.

وقدّر العلماء أن العوامل الوراثية تفسر ما يتراوح بين 30% و65% من الاختلافات في مدة النوم بين الأشخاص، وفقًا للتقديرات والدراسات المستخدمة.

كما حدد الباحثون مئات المواقع الجينية المرتبطة بمدة النوم، من بينها نحو 244 موقعًا في تحليل حديث لبيانات ما يقرب من 650 ألف شخص بالغ، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير.

وأوضحت الباحثة إيزابيل أوستن-زيمرمان، من كلية كينجز كوليدج لندن، أن تأثير كل متغير جيني بمفرده قد يكون محدودًا، إذ يمكن أن يغير مدة النوم بنحو دقيقة تقريبًا، لكن اجتماع تأثيرات هذه المتغيرات قد يفسر اختلافًا يصل إلى نحو 20 دقيقة بين الأشخاص.

وتساعد هذه النتائج العلماء على فهم كيفية تشكل أنماط النوم وراثيًا، ولماذا يحتاج بعض الأشخاص إلى ساعات أطول مقارنة بغيرهم.

هل ترتبط جينات النوم القصير بانخفاض خطر ذهان ما بعد الولادة؟

ومن بين النتائج البحثية اللافتة التي تناولها التقرير، وجود علاقة محتملة بين الاستعداد الوراثي للنوم القصير وخطر الإصابة ببعض الاضطرابات النفسية المرتبطة بفترة ما بعد الولادة.

فقد وجدت دراسة بقيادة الباحثة كيارا بيتروسيليني أن النساء المصابات باضطراب ثنائي القطب، واللاتي أنجبن أطفالًا وحصلن على درجات مرتفعة في مؤشرات الاستعداد الجيني للنوم القصير، كان لديهن خطر أقل للإصابة بذهان ما بعد الولادة بنحو النصف، مقارنة بالمجموعات التي تمت مقارنتها في الدراسة.

كما ارتبط هذا الاستعداد بانخفاض احتمالات الإصابة بالأرق وفقًا للنتائج البحثية.

وتظل هذه النتائج ارتباطات إحصائية تحتاج إلى مزيد من الدراسات لفهم أسبابها وآلياتها، ولا تعني أن النوم لساعات أقل يمثل وسيلة للوقاية من الاضطرابات النفسية أو علاجها.

هل يمكن تطوير أدوية تجعل الإنسان يحتاج إلى ساعات نوم أقل؟

يثير اكتشاف الطفرات الجينية المرتبطة بالنوم القصير اهتمام العلماء بإمكانية الاستفادة منها في تطوير علاجات مستقبلية لاضطرابات النوم، أو تحسين قدرة الجسم على التعامل مع فترات الاستيقاظ الطويلة.

وقد يكون فهم الآليات التي تسمح لبعض الأشخاص بالحفاظ على نشاطهم ووظائفهم العقلية رغم النوم لفترات قصيرة خطوة مهمة نحو تطوير تدخلات طبية تستهدف تحسين كفاءة النوم.

لكن الباحثين يؤكدون ضرورة فهم آليات الحماية الوراثية بصورة دقيقة قبل التفكير في تطوير أدوية تحاكي هذه التأثيرات، لتجنب الآثار الجانبية المحتملة.

وتشمل التطبيقات التي تثير اهتمام الباحثين علاج بعض اضطرابات النوم، ودراسة كيفية الحفاظ على الأداء العقلي في الظروف التي تتطلب فترات طويلة من اليقظة، بما في ذلك بعض المهام العسكرية والمهنية.

هل يمكن تقليل ساعات النوم دون التأثير على الصحة؟

رغم النتائج العلمية المثيرة للاهتمام، لا توجد أدلة تسمح بتوصية الأشخاص الأصحاء بتقليل ساعات نومهم اعتمادًا على هذه الاكتشافات.

فالنوم القصير الطبيعي العائلي حالة وراثية نادرة، ولا تعني أن كل شخص يمكنه تدريب جسمه على الاكتفاء بأربع أو خمس ساعات من النوم يوميًا دون عواقب.

كما أن الاعتياد على النوم لفترات قصيرة لا يثبت أن الجسم حصل على الراحة الكافية، فقد يؤدي الحرمان المزمن من النوم إلى ضعف التركيز والذاكرة، واضطراب الحالة المزاجية، وزيادة مخاطر بعض المشكلات الصحية.

وتظل التوصية الأساسية هي الالتزام باحتياجات الجسم من النوم، مع الاهتمام بانتظام مواعيده وجودته، وعدم محاولة تقليل عدد الساعات لمجرد تقليد أصحاب الطفرات الجينية النادرة.

وفي النهاية، تكشف الأبحاث أن الجينات تلعب دورًا مهمًا في تحديد احتياجات الإنسان من النوم، وأن دراسة الأشخاص الذين يتمتعون بقدرة طبيعية على النوم القصير قد تساعد العلماء مستقبلًا على فهم أسرار النوم بصورة أعمق، وتطوير علاجات أكثر فاعلية لاضطراباته، دون تعريض صحة الإنسان لمخاطر الحرمان من النوم.