السبت 22 أغسطس 2026 10:41 مـ 8 ربيع أول 1448 هـ
بوابة الصحة
×

الدكتور أحمد الغيطي يكشف خطة كاثترونكس لزيادة التصنيع المحلي وتقليص فاتورة الاستيراد

السبت 22 أغسطس 2026 09:28 مـ 8 ربيع أول 1448 هـ
اجتماع الدكتور أحمد الغيطي والدكتور علي الغمراوي
اجتماع الدكتور أحمد الغيطي والدكتور علي الغمراوي

لم تعد معركة توطين الصناعة في مصر مرتبطة فقط بالمنتجات التقليدية، بل وصلت إلى واحدة من أكثر الصناعات الطبية دقة وحساسية. مشروع «كاثترونكس» يستهدف تصنيع مستلزمات قسطرة المخ والقلب والتدخلات الوعائية محليًا، في خطوة تجمع بين تقليل الاستيراد وتعزيز الأمن الصحي وبناء قدرة تكنولوجية مصرية جديدة.

صناعة دقيقة تدخل دائرة التوطين

تتجه مصر إلى توسيع مفهوم التصنيع المحلي ليشمل صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، وفي مقدمتها المستلزمات الطبية المتقدمة التي ترتبط بصورة مباشرة باحتياجات المستشفيات والمرضى.

وفي هذا الإطار، يبرز مشروع شركة «كاثترونكس» لتصنيع مستلزمات قسطرة المخ والقلب والتدخلات الوعائية، باعتباره مشروعًا يستهدف تأسيس إنتاج محلي في قطاع يعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا والمعايير الفنية الدقيقة.

الدكتور أحمد الغيطي، ممثل الشركة، أكد أن المشروع يمر حاليًا بمراحل مهمة تمهيدًا للوصول إلى الإنتاج، مشيرًا إلى التعاون مع هيئة الدواء المصرية لاستكمال إجراءات التسجيل والإخطارات الخاصة بالمنتجات.

وتأتي أهمية هذه الخطوة من كونها تتعامل مع منتجات يتم تسجيلها للمرة الأولى في مصر، وهو ما يجعل الإجراءات التنظيمية والفنية جزءًا أساسيًا من عملية تأسيس الصناعة نفسها.

هيئة الدواء تتحرك لتقليص زمن الإجراءات

ناقش الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، مع الدكتور أحمد الغيطي، تطورات المشروع وآليات الإسراع في تسجيل مستلزمات القسطرة المستهدف تصنيعها محليًا.

وبحسب الغيطي، جاءت إجراءات التسجيل بصورة مهنية وسريعة، رغم الطبيعة الجديدة للمنتجات في السوق المصرية والحاجة إلى إجراء مراجعات فنية متخصصة.

وتكشف هذه الخطوة عن أهمية الدور التنظيمي في دعم الصناعات الطبية الحديثة؛ فنجاح أي مشروع في هذا المجال لا يعتمد فقط على توفير التمويل والمصنع والتكنولوجيا، وإنما يحتاج أيضًا إلى مسار واضح للتسجيل والاعتماد والرقابة على الجودة.

ومن ثم، فإن وجود تعاون فعال بين الجهات التنظيمية والمستثمرين يمكن أن يختصر الوقت أمام المشروعات الجديدة، دون المساس بالاشتراطات التي تضمن سلامة وجودة المنتجات الطبية.

250 مليون دولار.. الرقم الذي يكشف حجم الفرصة

أحد أبرز الأهداف الاقتصادية للمشروع يتمثل في خفض قيمة استيراد مستلزمات القسطرة بأكثر من 250 مليون دولار سنويًا، وفقًا لتصريحات الدكتور أحمد الغيطي.

وهذا الرقم يمنح المشروع أهمية تتجاوز حدود الشركة نفسها، لأنه يرتبط بملف أوسع يتعلق بتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية.

وفي القطاعات الطبية، تصبح هذه المسألة أكثر تعقيدًا؛ إذ إن استيراد المستلزمات لا يرتبط فقط بسعر المنتج، وإنما يتأثر أيضًا بتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية وتغيرات الأسواق.

لذلك، فإن وجود تصنيع محلي قادر على توفير جزء كبير من الاحتياجات يمكن أن يمنح السوق المصرية قدرًا أكبر من الاستقرار، خصوصًا في أوقات الأزمات العالمية أو اضطراب حركة التجارة.

رفع المكون المحلي إلى 80%

لا تستهدف الشركة إنتاج المستلزمات داخل مصر فقط، وإنما تسعى إلى زيادة نسبة المكونات المحلية تدريجيًا.

وبحسب تصريحات ممثل الشركة، تبلغ نسبة المكون المحلي في الوقت الحالي نحو 60%، مع خطة لرفعها إلى 80% خلال فترة تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات.

وهذه النسبة تعكس توجهًا مهمًا نحو تعميق التصنيع بدلًا من الاكتفاء بإنتاج نهائي يعتمد على مكونات مستوردة بصورة كبيرة.

زيادة المكون المحلي تعني، في المقابل، الحاجة إلى تطوير شبكة من الموردين المحليين، وزيادة قدرات الشركات المصرية العاملة في الصناعات المغذية، وتطوير الكفاءات الفنية والهندسية القادرة على التعامل مع المنتجات الطبية الدقيقة، وبذلك يمكن أن يتحول المشروع من مصنع متخصص إلى نقطة انطلاق لمنظومة صناعية أوسع.

عندما يصبح التصنيع جزءًا من الأمن الصحي

الجانب الأكثر حساسية في المشروع يتعلق باستخدام المنتجات المستهدفة في إجراءات طبية دقيقة، وأوضح الغيطي أن أهمية المشروع لا ترتبط بالاقتصاد والصناعة فقط، وإنما تمتد إلى الأمن الصحي، نظرًا إلى طبيعة استخدام مستلزمات القسطرة في التدخلات العلاجية.

وهنا تظهر قيمة التصنيع المحلي بصورة مختلفة؛ فتوفير المستلزم الطبي في الوقت المناسب قد يكون مسألة مرتبطة باستمرارية الخدمة الطبية، وليس مجرد مسألة تجارية.

ومن هذا المنطلق، تستهدف الشركة تصنيع منتجات تلتزم بالمواصفات والمعايير الدولية، حتى لا يكون المنتج المحلي مجرد بديل للمنتج المستورد، بل منتجًا قادرًا على تلبية احتياجات المؤسسات الطبية والمنافسة مستقبلًا.

24 ساعة فقط لتلبية الاحتياجات الطارئة

من بين الأهداف التي تضعها الشركة أمام المشروع القدرة على التعامل مع الاحتياجات الطارئة بسرعة، مع استهداف توفير بعض الاحتياجات خلال 24 ساعة.

وتبرز أهمية هذا المستهدف في ظل ما شهده العالم خلال السنوات الأخيرة من اضطرابات في سلاسل التوريد، والتي أثرت على قطاعات متعددة، بينها القطاع الطبي.

وجود مصنع محلي قادر على الاستجابة السريعة يمنح المؤسسات الصحية ميزة مهمة في مواجهة النقص المفاجئ أو تأخر الشحنات القادمة من الخارج.

كما يستهدف المشروع توفير احتياجات هيئة الشراء الموحد ومنظومة التأمين الصحي الشامل، بما يربط بين الإنتاج المحلي والطلب المؤسسي داخل المنظومة الصحية المصرية.

165 مليون جنيه استثمارات حتى الآن

لم يكن الوصول إلى هذه المرحلة بلا تكلفة، إذ تجاوزت استثمارات المشروع حتى الآن 165 مليون جنيه، بحسب تصريحات الغيطي.

وتعكس قيمة الاستثمار حجم المتطلبات الخاصة بإنشاء صناعة طبية متقدمة، والتي تحتاج إلى تجهيزات ومعدات وبنية إنتاجية تتناسب مع طبيعة المنتجات، إلى جانب الإنفاق المرتبط بالتسجيل والاختبارات والإجراءات الفنية.

وأشار ممثل الشركة إلى تحملها أعباء مالية كبيرة خلال الفترة التي استغرقتها إجراءات التسجيل، في انتظار استكمال المتطلبات اللازمة للانتقال إلى مرحلة الإنتاج التجاري.

ومن المنتظر أن يؤدي استكمال إجراءات التسجيل إلى فتح الطريق أمام بدء الإنتاج الفعلي وطرح المنتجات، وهو ما سيضع المشروع أمام مرحلة جديدة من اختبار قدرته على تحقيق مستهدفاته الاقتصادية والصحية.

لماذا تراهن مصر على التصنيع الطبي؟

توطين المستلزمات الطبية يمثل أحد الملفات التي تحمل أهمية استراتيجية لعدة أسباب، وفي مقدمتها تقليل الاعتماد على الخارج في منتجات ترتبط بصورة مباشرة بالقطاع الصحي، إلى جانب تخفيف الحاجة إلى العملات الأجنبية اللازمة لتمويل الواردات.

كما يساهم التصنيع المحلي في خلق فرص لتطوير التكنولوجيا والخبرات، ويدفع الشركات إلى الاستثمار في التدريب والبحث والتطوير.

وفي حالة المنتجات الطبية المتقدمة، فإن القيمة لا تقتصر على المنتج نفسه، وإنما تمتد إلى المعرفة التي تتراكم لدى المهندسين والفنيين والمتخصصين خلال مراحل التصنيع والاختبار والتطوير، وهذه الخبرات يمكن أن تصبح لاحقًا أساسًا للتوسع في منتجات طبية أخرى ذات قيمة تكنولوجية أعلى.

من السوق المصرية إلى فرصة إقليمية

تضع «كاثترونكس» هدفًا أكثر اتساعًا للمشروع، إذ تستهدف أن تكون أول شركة في مصر وأفريقيا والشرق الأوسط تتجه إلى تصنيع هذه النوعية من المستلزمات محليًا.

وإذا تمكن المشروع من الوصول إلى إنتاج مستقر ومطابق للمعايير الدولية، فإن السوق المحلية قد لا تكون نهاية الطريق.

فالموقع الجغرافي لمصر، إلى جانب امتداد الأسواق العربية والأفريقية، يمكن أن يوفر فرصًا أمام الشركات المصرية المتخصصة في الصناعات الطبية للتوسع مستقبلًا خارج الحدود.

لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب الحفاظ على الجودة، والاستمرار في تحديث خطوط الإنتاج، وتطوير المنتجات، والالتزام بالمعايير الدولية، إلى جانب بناء شبكة توزيع وتسويق قادرة على الوصول إلى الأسواق المستهدفة.

التحدي الحقيقي يبدأ بعد التصنيع

نجاح المشروع لا يقاس فقط بإطلاق أول منتج محلي، وإنما بقدرته على الاستمرار والتوسع، فالصناعة الطبية تختلف عن العديد من الصناعات الأخرى؛ لأن الجودة والسلامة والاعتماد عوامل لا يمكن تجاوزها، كما أن المنافسة مع المنتجات العالمية تتطلب استثمارات مستمرة في التكنولوجيا.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستكون مهمة في اختبار قدرة المشروع على الجمع بين ثلاثة أهداف في الوقت نفسه: الجودة، والتكلفة، والاستدامة.

وكلما نجحت الشركة في زيادة المكون المحلي دون التأثير على مستوى المنتج، أصبحت التجربة أكثر قابلية للتوسع والاستفادة منها في صناعات طبية أخرى.

مشروع يحمل أكثر من رسالة

مشروع «كاثترونكس» في النهاية لا يمثل مجرد إضافة مصنع جديد إلى خريطة الصناعة المصرية، وإنما يعكس تحولًا في طبيعة القطاعات التي تستهدف مصر توطينها، فالمشروع يتحرك في منطقة تتقاطع فيها الصناعة مع الاقتصاد والصحة والتكنولوجيا.

استثمارات تتجاوز 165 مليون جنيه، ومستهدف لتقليل واردات مستلزمات القسطرة بأكثر من 250 مليون دولار سنويًا، وخطة لرفع المكون المحلي إلى 80% خلال 3 إلى 4 سنوات؛ كلها أرقام تعطي المشروع وزنًا واضحًا.

لكن القيمة الأكبر ستظهر مع بدء الإنتاج واستقرار العمليات التصنيعية وقدرة المنتجات المصرية على إثبات نفسها داخل السوق.

وإذا نجحت هذه التجربة في تحقيق أهدافها، فإنها يمكن أن تمثل نموذجًا لتوطين المزيد من الصناعات الطبية ذات التكنولوجيا المتقدمة، وتحويل مصر تدريجيًا من سوق يعتمد على استيراد المنتجات الطبية إلى دولة تمتلك قاعدة إنتاج قادرة على تلبية احتياجاتها والمنافسة في الأسواق الإقليمية.