الإثنين 31 أغسطس 2026 06:40 مـ 17 ربيع أول 1448 هـ
بوابة الصحة
×

الاحتواء والحزم في التربية.. كيف تضعين حدودًا لأبنائكِ دون أن يفقدوا شعورهم بالأمان

الإثنين 31 أغسطس 2026 05:22 مـ 17 ربيع أول 1448 هـ
تربية الأبناء
تربية الأبناء

تُعد تربية الأبناء رحلة مليئة بالمواقف المتباينة، التي تحتاج فيها الأم أحيانًا إلى الحزم ووضع حدود واضحة، بينما تتطلب مواقف أخرى الاستماع والاحتواء ومنح الأبناء الشعور بالأمان والدعم.

وأكدت الدكتورة عبلة إبراهيم، أستاذ التربية ومستشارة العلاقات الأسرية، أن التحدي الذي تواجهه كثير من الأمهات لا يرتبط بنقص الحب أو الاهتمام، وإنما يكمن في معرفة الوقت المناسب لاستخدام الحزم، ومتى يكون الاحتواء هو الأسلوب الأكثر فاعلية.

وأوضحت أن الحزم لا يعني القسوة، كما أن الاحتواء لا يعني التدليل أو التهاون، مشيرة إلى أن التربية المتوازنة تقوم على الجمع بين الحب والحدود، بحيث يشعر الابن بأن والدته تحبه وتدعمه، وفي الوقت نفسه يدرك أن هناك قواعد يجب الالتزام بها.

متى تحتاجين إلى الحزم مع أبنائك

1- عندما يتعلق الأمر بالقيم والمبادئ

هناك بعض السلوكيات التي لا ينبغي أن تصبح محل تفاوض مستمر داخل المنزل، مثل الكذب، والعنف، والتنمر، وإهانة الآخرين أو عدم احترام أفراد الأسرة.

وفي هذه المواقف، تحتاج الأم إلى أن تكون واضحة وحازمة، مع الفصل بين الطفل وسلوكه، حتى يفهم أن ارتكاب الخطأ لا يجعله شخصًا سيئًا، لكن السلوك الخاطئ له عواقب.

ويمكن للأم أن تقول لطفلها: «أنا أحبك دائمًا، لكنني لا أقبل هذا التصرف»، لتوصيل رسالة واضحة تجمع بين الحب ورفض السلوك غير المقبول.

2- عندما يختبر الأبناء الحدود

من الطبيعي أن يحاول الأطفال والمراهقون اختبار الحدود الموضوعة لهم، سواء من خلال الإلحاح أو الغضب أو المقارنة بالأصدقاء.

وأشارت الدكتورة عبلة إلى أن تراجع الأم عن قراراتها في كل مرة بسبب الضغط قد يجعل الابن يعتقد أن الإصرار والغضب وسيلة للحصول على ما يريد.

لذلك، يكون الحزم مطلوبًا عندما تكون الأم مقتنعة بصحة القرار، على أن يتم ذلك بهدوء وثبات بعيدًا عن الصراخ والتهديد.

3- عندما يتعلق الأمر بالأمان

تحتاج الأمور المرتبطة بسلامة الأبناء إلى قواعد واضحة، سواء فيما يتعلق بالخروج من المنزل، أو التعامل مع الغرباء، أو استخدام الإنترنت، أو مواعيد العودة إلى المنزل.

ورغم أن الأبناء، خاصة المراهقين، قد لا يتقبلون بعض هذه القواعد، فإن عليهم إدراك أنها وضعت لحمايتهم وليس للسيطرة عليهم.

ويمكن للأم الاستماع إلى وجهة نظر ابنها ومناقشته، مع الحفاظ على مسؤوليتها في وضع القواعد الضرورية للحفاظ على سلامته.

4- عند تكرار الخطأ دون محاولة للتغيير

أوضحت الدكتورة عبلة أن الخطأ الأول يحتاج غالبًا إلى الشرح والتوجيه، بينما قد يتطلب تكرار السلوك نفسه بعد معرفة نتائجه موقفًا أكثر حزمًا.

فالأبناء بحاجة إلى معرفة أن الحرية ترتبط بالمسؤولية، وأن لكل تصرف نتيجة.

ولا يعني الحزم هنا اللجوء إلى العقاب المبالغ فيه، وإنما تطبيق نتيجة منطقية مرتبطة بالسلوك، مثل تقليل وقت الترفيه أو استخدام الهاتف عند إهمال الواجبات أو إساءة استخدام الأجهزة.

متى يحتاج الأبناء إلى الاحتواء

1- عندما يمرون بحالة من الحزن أو الانكسار

قد يعود الابن من المدرسة حزينًا، أو تمر الابنة بمشكلة مع إحدى صديقاتها، أو يفشل أحد الأبناء في امتحان أو نشاط كان يتوقع النجاح فيه.

في هذه اللحظات، يكون الاحتواء والاستماع أكثر أهمية من تقديم محاضرة طويلة حول الأخطاء.

ويمكن للأم أن تبدأ بعبارة بسيطة مثل: «أفهم أنك حزين، وأنا بجانبك»، ثم تناقش المشكلة والحلول بعد أن يهدأ الابن ويشعر بالأمان.

2- عندما يكون السلوك السيئ رسالة لمشاعر أخرى

ليس كل سلوك مزعج يحتاج إلى عقاب مباشر؛ فقد يكون الغضب أو العصبية أو الانعزال ناتجًا عن الخوف أو الغيرة أو الضغط أو الشعور بالفشل.

وهذا لا يعني تبرير السلوك الخاطئ، وإنما محاولة فهم الأسباب الكامنة وراءه.

وفي هذه الحالة يمكن للأم أن تجمع بين الأسلوبين، فتضع حدًا للتصرف غير المقبول، وفي الوقت نفسه تحتوي مشاعر ابنها، مثل أن تقول: «لا أسمح لك بالصراخ بهذه الطريقة، لكنني أرى أنك غاضب جدًا، ويمكننا التحدث عندما تهدأ».

3- خلال التغيرات الكبيرة في حياة الأبناء

تغيير المدرسة، وبداية مرحلة المراهقة، وضغوط الدراسة، وفقدان صديق أو مواجهة مشكلة اجتماعية، كلها مواقف يحتاج خلالها الأبناء إلى قدر أكبر من الاحتواء.

وقد لا يطلب الابن الدعم بشكل مباشر، بل قد يظهر في صورة عصبية أو رغبة في الابتعاد.

وفي هذه المرحلة، يكون وجود الأم بهدوء واستعدادها للاستماع من أهم مصادر الأمان للابن، حتى إذا لم تكن قادرة على تقديم حل فوري للمشكلة.

4- عندما يعترف الابن بخطئه

تُعد ثقة الابن في والدته بما يكفي للاعتراف بخطأ أو مشكلة أمرًا مهمًا في بناء علاقة صحية داخل الأسرة.

وحذرت الدكتورة عبلة من أن رد الفعل الغاضب والصراخ في كل مرة يعترف فيها الابن بخطأ قد يدفعه مستقبلًا إلى إخفاء مشكلاته وأخطائه.

لذلك، من الأفضل أن تبدأ الأم بالاستماع وتقدير صراحة ابنها، ثم تناقش معه الخطأ ونتائجه وكيفية إصلاحه.

فالاحتواء لا يعني قبول الخطأ، وإنما يعني أن يظل باب العودة إلى الأم مفتوحًا حتى عندما يخطئ الابن.

كيف تجمعين بين الحزم والاحتواء

أكدت الدكتورة عبلة أن التوازن الحقيقي في التربية يعني أن يعرف الأبناء أن والدتهم لن تتخلى عنهم، لكنها في الوقت نفسه لن تتخلى عن مسؤوليتها في توجيههم وتربيتهم.

ويمكن للأم أن تحتوي مشاعر أبنائها دون الموافقة على كل سلوكياتهم، كما يمكنها أن تكون حازمة دون إهانتهم أو تخويفهم.

وقبل اتخاذ أي رد فعل، يمكن للأم أن تسأل نفسها: هل يحتاج ابني الآن إلى أن يتعلم درسًا، أم يحتاج أولًا إلى أن يشعر بأنني أفهمه؟

وفي كثير من المواقف، قد تكون الإجابة أنه يحتاج إلى الأمرين معًا، لكن بالترتيب الصحيح: احتواء المشاعر أولًا، ثم توجيه السلوك.

الحب والحدود.. معادلة التربية المتوازنة

يساعد الجمع بين الحب والحدود على بناء شخصية أكثر قدرة على التعبير عن المشاعر وتحمل المسؤولية.

فالأبناء الذين ينشأون في بيئة يشعرون فيها بالحب والأمان، مع وجود قواعد واضحة، يتعلمون تدريجيًا كيفية التعبير عن غضبهم ومشاعرهم دون إيذاء الآخرين، كما يصبحون أكثر قدرة على التعامل مع أخطائهم وتحمل نتائج قراراتهم.

وأكدت الدكتورة عبلة أن الأم المثالية ليست التي لا تخطئ في اختيار رد فعلها، وإنما التي تحاول باستمرار فهم أبنائها والتعلم من المواقف المختلفة واحتياجاتهم في كل مرحلة عمرية.

فقد يحتاج الطفل في موقف إلى أم تقول بحزم: «هذا غير مسموح»، بينما يحتاج في موقف آخر إلى حضن يوصله رسالة بسيطة: «مهما حدث، أنا هنا».

ويظل التوازن بين الحزم والاحتواء من أهم أسس التربية الإيجابية؛ حدود تحمي الأبناء، وحب يمنحهم الأمان.