بخاخ أنفي جديد لعلاج الاكتئاب المقاوم للعلاج.. جرعة واحدة تحقق تحسنًا يستمر 8 أسابيع
كشفت نتائج تجربة سريرية حديثة عن نتائج واعدة لبخاخ أنفي تجريبي يحتوي على مادة «ميبوفوتينين» (Mebufotenin)، المعروفة علميًا باسم 5-MeO-DMT، في تخفيف أعراض الاكتئاب المقاوم للعلاج، بعدما أظهرت الدراسة أن جرعة واحدة من المركب ساعدت على تحسين أعراض المرضى، مع استمرار الفوائد حتى 8 أسابيع من المتابعة.
ونُشرت نتائج التجربة العشوائية مزدوجة التعمية، التي أجريت في المرحلة الثانية (ب)، في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية «JAMA» بتاريخ 26 أكتوبر 2026، وشملت 193 بالغًا يعانون من اكتئاب متوسط إلى شديد لم يستجيب للعلاجات السابقة بمضادات الاكتئاب.
ووفقًا لنتائج الدراسة، سجلت جرعتا 8 و12 ملليجرامًا تحسنًا أكبر في أعراض الاكتئاب مقارنة بالجرعة المنخفضة المستخدمة للمقارنة، فيما أظهرت النتائج أن التأثيرات النفسية الحادة للمركب تتلاشى خلال فترة قصيرة نسبيًا، وهو ما قد يقلل مدة المراقبة المطلوبة داخل المراكز العلاجية مقارنة ببعض العلاجات المخدرة الأخرى قيد الدراسة.
ما هو دواء ميبوفوتينين المستخلص من سم الضفدع؟
ميبوفوتينين، المعروف اختصارًا باسم 5-MeO-DMT، مركب ذو تأثير نفسي مهلوس يوجد طبيعيًا في إفرازات ضفدع صحراء سونوران، لكنه استُخدم في التجربة الحديثة في صورة تركيبة مصنّعة ونقية للاستخدام الطبي التجريبي.
وتعمل المادة على مستقبلات السيروتونين في الدماغ، بما في ذلك مستقبلات 5-HT1A و5-HT2A، وهي مستقبلات تشارك في تنظيم وظائف عصبية ونفسية متعددة.
ويجري تطوير البخاخ الأنفي المعروف باسم BPL-003 من جانب شركة Beckley Psytech التابعة لشركة AtaiBeckley، بهدف تقييم إمكانية استخدامه لعلاج الاكتئاب المقاوم للعلاج، وهي الحالة التي لا تحقق فيها العلاجات التقليدية استجابة كافية لدى بعض المرضى.
وتكمن أهمية هذه المقاربة في إمكانية تحقيق تحسن في أعراض الاكتئاب بعد جلسة علاجية واحدة، بدلًا من الاعتماد على تناول الدواء يوميًا لفترات طويلة، لكن إثبات هذه الفائدة وتحديد مدى استمراريتها يتطلبان مزيدًا من التجارب السريرية.
تفاصيل التجربة السريرية.. 193 مريضًا و3 جرعات مختلفة
شملت الدراسة 193 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 18 و75 عامًا، جرى اختيارهم من 38 مركزًا بحثيًا في أستراليا وأوروبا والولايات المتحدة.
وكان المشاركون يعانون من اضطراب اكتئابي شديد متوسط إلى حاد، ولم يستجيبوا بشكل كافٍ لما بين تجربتين وخمس تجارب سابقة للعلاج بمضادات الاكتئاب خلال نوبة الاكتئاب الحالية.
ووزع الباحثون المشاركين عشوائيًا على ثلاث مجموعات تلقت جرعة واحدة من البخاخ الأنفي، وفقًا للتقسيم التالي:
- جرعة 8 ملليجرامات: تلقاها 46 مشاركًا.
- جرعة 12 ملليجرامًا: تلقاها 73 مشاركًا.
- جرعة 0.3 ملليجرام: تلقاها 74 مشاركًا، واستخدمت للمقارنة.
وتلقى المشاركون دعمًا نفسيًا قبل جلسة العلاج وأثناءها وبعدها، مع خضوعهم للمراقبة الطبية وفقًا لبروتوكول الدراسة.
واستمرت المتابعة لمدة 8 أسابيع، مع قياس التغير في شدة أعراض الاكتئاب باستخدام مقياس مونتجمري-آسبيرج للاكتئاب، الذي يساعد على تقييم شدة الأعراض ومتابعة الاستجابة للعلاج.
نتائج البخاخ الأنفي في علاج الاكتئاب.. ماذا كشفت الأرقام؟
أظهرت نتائج التجربة انخفاضًا أكبر في درجات الاكتئاب لدى المشاركين الذين تلقوا الجرعات العلاجية مقارنة بالمجموعة التي تلقت الجرعة المنخفضة.
وبعد 29 يومًا من العلاج، سجلت النتائج التغيرات التالية في متوسط درجات الاكتئاب:
| الجرعة | متوسط انخفاض درجات الاكتئاب |
|---|---|
| 8 ملليجرامات | 12.5 نقطة |
| 12 ملليجرامًا | 11.1 نقطة |
| 0.3 ملليجرام | 5.5 نقطة |
وتشير النتائج إلى أن جرعة 8 ملليجرامات حققت انخفاضًا أكبر في متوسط درجات الاكتئاب، بينما حققت جرعة 12 ملليجرامًا تحسنًا ذا دلالة إحصائية مقارنة بالجرعة المنخفضة، وهي المقارنة الأساسية التي حددتها الدراسة.
وبلغ الفرق المعدل بين جرعة 12 ملليجرامًا والجرعة المنخفضة 5.3 نقطة، فيما بلغ الفرق بين جرعة 8 ملليجرامات والجرعة المنخفضة 6.2 نقطة.
كما ظهرت مؤشرات التحسن منذ اليوم التالي للعلاج، واستمر الفرق بين المجموعات حتى اليوم السابع والخمسين، أي خلال فترة المتابعة التي امتدت إلى 8 أسابيع تقريبًا.
هل تكفي جرعة واحدة لتحقيق تحسن طويل الأمد؟
من أبرز الجوانب التي ركزت عليها الدراسة إمكانية استمرار التحسن بعد جلسة علاجية واحدة، دون الحاجة إلى تكرار الجرعة خلال فترة المتابعة الأساسية.
وأظهرت النتائج أن انخفاض أعراض الاكتئاب استمر لدى المجموعتين اللتين تلقتا جرعتي 8 و12 ملليجرامًا حتى اليوم السابع والخمسين.
وفي اليوم التاسع والعشرين، بلغت نسبة المشاركين الذين حققوا استجابة علاجية نحو 35% في مجموعة جرعة 8 ملليجرامات، و34% في مجموعة جرعة 12 ملليجرامًا، مقارنة بنحو 12% في مجموعة الجرعة المنخفضة.
أما معدلات الوصول إلى مرحلة الهدأة، أي تراجع الأعراض إلى مستوى منخفض وفقًا لمعايير الدراسة، فبلغت نحو 26% و18% و8% على الترتيب.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن جرعة واحدة تعالج الاكتئاب نهائيًا، أو أن الفوائد ستستمر لدى جميع المرضى للمدة نفسها، إذ تقتصر النتائج المنشورة على فترة المتابعة المحددة في التجربة.
لماذا تستمر الفوائد رغم قصر التأثير النفسي الحاد؟
يتميز مركب 5-MeO-DMT بسرعة ظهور تأثيراته النفسية الحادة وقصر مدتها نسبيًا، إذ قد تبلغ شدتها ذروتها خلال دقائق، ثم تتراجع عادة خلال نحو 45 إلى 60 دقيقة، مع اختلاف الاستجابة من شخص إلى آخر.
لكن تراجع التأثير النفسي المباشر لا يعني بالضرورة انتهاء التأثير العلاجي المحتمل؛ فقد استمر التحسن في أعراض الاكتئاب لدى بعض المشاركين خلال الأسابيع التالية للجلسة.
ولا يزال الباحثون يدرسون الآليات التي قد تفسر استمرار هذه الفوائد، ولا يمكن الجزم حتى الآن بوجود تفسير بيولوجي واحد يوضح جميع النتائج.
ومن المهم أيضًا عدم الخلط بين انتهاء التأثير المهلوس الحاد وبين التعافي من الاكتئاب، فهما نتيجتان مختلفتان تقاس كل منهما بطرق مستقلة.
الآثار الجانبية للبخاخ الأنفي.. الصداع والغثيان وتهيج الأنف
على الرغم من النتائج الواعدة، أظهرت الدراسة أن الآثار الجانبية كانت شائعة لدى المشاركين في المجموعات الثلاث، مع اختلاف نسب حدوثها بحسب الجرعة.
وبلغت نسبة المشاركين الذين أبلغوا عن آثار جانبية ظهرت خلال فترة العلاج نحو:
- 76.1% لدى متلقي جرعة 8 ملليجرامات.
- 84.9% لدى متلقي جرعة 12 ملليجرامًا.
- 73% لدى متلقي الجرعة المنخفضة.
وكانت الغالبية العظمى من الأحداث الجانبية المسجلة خفيفة أو متوسطة الشدة.
وشملت الآثار الجانبية التي تناولها التقرير الصداع والغثيان وآلام الأنف، فيما شهد أحد المشاركين نوبتي هلع حادتين خلال فترة العلاج، وفقًا للمعلومات الواردة في المادة الأصلية.
وتؤكد هذه النتائج ضرورة إجراء العلاج تحت إشراف متخصصين وفي بيئة طبية مناسبة، خصوصًا أن المركب قد يسبب تغيرات نفسية حادة خلال الجلسة.
هل يغادر المريض المستشفى بعد ساعتين من العلاج؟
من الجوانب التي يدرسها الباحثون في هذا العلاج إمكانية تقليل مدة المراقبة الطبية بعد الجرعة، مقارنة ببعض العلاجات النفسية المخدرة التي قد تتطلب متابعة أطول.
وأظهرت بيانات التجربة أن نسبة كبيرة من المشاركين وصلت إلى معايير الاستعداد للخروج خلال نحو ساعتين، لكن ذلك لا يعني أن جميع المرضى غادروا المركز العلاجي في هذه المدة؛ إذ خضع المشاركون لبروتوكول مراقبة محدد، وكانت إجراءات الدراسة تتطلب فترة متابعة أطول قبل السماح بالخروج.
وقد يمثل تقليل مدة المراقبة ميزة عملية مستقبلًا إذا أكدت الدراسات اللاحقة سلامة هذا النهج، لأنه قد يخفف العبء على المراكز العلاجية ويتيح تنظيم جلسات العلاج بصورة أكثر كفاءة.
هل ينتقل دواء ميبوفوتينين إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية؟
تُعد نتائج المرحلة الثانية (ب) خطوة مهمة في تقييم فعالية البخاخ الأنفي وسلامته، لكنها لا تكفي وحدها لاعتماده علاجًا للاكتئاب.
وتهدف المرحلة الثالثة عادة إلى اختبار الدواء على أعداد أكبر من المرضى، وجمع أدلة إضافية بشأن فعاليته وسلامته، وتقييم مدى اتساق النتائج في مجموعات متنوعة من المرضى.
وتشير المادة المقدمة إلى أن جرعة 8 ملليجرامات مرشحة للانتقال إلى المرحلة الثالثة، نظرًا إلى التوازن الذي أظهرته بين الفعالية والسلامة في التجربة الحالية. لكن يلزم الرجوع إلى إعلان رسمي حديث من الشركة المطورة لتأكيد خطة التطوير والجدول الزمني للمرحلة التالية.
وحتى الآن، ينبغي التعامل مع البخاخ بوصفه علاجًا تجريبيًا، وليس دواءً معتمدًا للاستخدام العام خارج نطاق الأبحاث السريرية المصرح بها.
هل يمكن أن يصبح البخاخ بديلًا لمضادات الاكتئاب التقليدية؟
تفتح نتائج الدراسة الباب أمام احتمال تطوير خيارات علاجية جديدة للمرضى الذين لا يستجيبون لمضادات الاكتئاب التقليدية، خاصة إذا أمكن الجمع بين استمرار التحسن وتقليل مدة المراقبة الطبية.
لكن لا يمكن حاليًا اعتبار البخاخ بديلًا مؤكدًا لمضادات الاكتئاب أو العلاجات المعتمدة الأخرى، كما لا يمكن التوصية باستخدامه خارج التجارب السريرية.
ويحتاج الباحثون إلى مزيد من البيانات لتقييم استدامة الفوائد، والمخاطر المحتملة على المدى الطويل، ومدى ملاءمة العلاج لمختلف الفئات من المرضى.
أظهرت تجربة أن جرعة واحدة من بخاخ ميبوفوتينين الأنفي ارتبطت بتحسن أعراض الاكتئاب المقاوم للعلاج لمدة وصلت إلى 8 أسابيع من المتابعة. ورغم أهمية النتائج، فإن اعتماد العلاج سيظل مرتبطًا بنتائج الدراسات اللاحقة وتقييم الجهات التنظيمية لفعاليته وسلامته.
