الأحد 23 أغسطس 2026 07:32 صـ 9 ربيع أول 1448 هـ
بوابة الصحة
×

دراسة مفاجئة تكشف تأثير السكر في أول عامين على صحة الإنسان لعقود

الأحد 23 أغسطس 2026 06:10 صـ 9 ربيع أول 1448 هـ
السكر والسرطان
السكر والسرطان

كشفت دراسة بحثية حديثة عن ارتباط محتمل بين انخفاض استهلاك السكر خلال فترة الحمل وأول عامين من حياة الطفل، وبين انخفاض مخاطر الإصابة ببعض أنواع السرطان وتباطؤ بعض مؤشرات الشيخوخة البيولوجية في مراحل لاحقة من العمر.

واعتمد الباحثون على بيانات أكثر من 64 ألف شخص ولدوا في بريطانيا بين عامي 1951 و1956، مستفيدين من فترة تقنين السكر التي استمرت في البلاد بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن ينتهي العمل بها في سبتمبر 1953.

لماذا ركزت الدراسة على «أول 1000 يوم»

يطلق الباحثون مصطلح أول 1000 يوم على الفترة التي تبدأ من الحمل وتمتد حتى بلوغ الطفل عامه الثاني، وهي مرحلة شديدة الأهمية في نمو الجسم.

وخلال هذه الفترة تتطور أعضاء الجسم، وينضج الجهاز المناعي وتتغير عمليات التمثيل الغذائي، كما تبدأ تفضيلات الطعام والمذاق في التشكل.

وأتاح اختلاف توقيت الولادة بين المشاركين للباحثين مقارنة أشخاص عاشوا فترات مختلفة من طفولتهم المبكرة في ظل نظام تقنين السكر، ما وفر فرصة لدراسة الآثار الصحية المحتملة لاختلاف التعرض للسكر في بداية الحياة.

انخفاض خطر الإصابة بـ5 أنواع من السرطان

أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين قضوا فترة أطول من طفولتهم المبكرة في ظل تقنين السكر كانوا أقل عرضة للإصابة بخمسة أنواع من السرطان، هي:

سرطان الثدي.
سرطان البروستات.
سرطان الكبد.
سرطان المستقيم.
سرطان الرئة.

وكان الانخفاض الأكبر في خطر الإصابة بسرطان الكبد، إذ بلغ نحو 69%، بينما ارتبط انخفاض التعرض للسكر بتراجع خطر الإصابة بسرطان الثدي بنحو 36%.

واللافت أن هذه الفروق الصحية ظهرت بعد مرور عقود طويلة على انتهاء فترة تقنين السكر، وهو ما يثير تساؤلات حول إمكانية تأثير التغذية خلال المراحل الأولى من الحياة في الصحة على المدى البعيد.

علاقة محتملة بين السكر والشيخوخة البيولوجية

لم تتوقف نتائج الدراسة عند السرطان، إذ وجد الباحثون ارتباطًا بين انخفاض التعرض للسكر خلال الطفولة المبكرة وبعض المؤشرات المرتبطة بالشيخوخة البيولوجية.

ويختلف العمر البيولوجي عن العمر الزمني؛ فقد يكون شخصان في العمر نفسه، لكن تختلف بينهما مؤشرات مرتبطة بحالة الخلايا والجهاز المناعي ومعدل الشيخوخة.

ومن المؤشرات التي درسها الباحثون التيلوميرات، وهي تراكيب واقية تقع في نهايات الكروموسومات، وتميل إلى القصر مع تقدم الخلايا في العمر.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين تعرضوا لفترة أطول لتقنين السكر امتلكوا تيلوميرات أطول، وقدر الباحثون هذا الاختلاف بما يعادل نحو 2.2 سنة من تباطؤ الشيخوخة البيولوجية.

ماذا عن الجهاز المناعي

رصد الباحثون أيضًا مستويات أقل من بروتين جرانزيم ب (Granzyme B) لدى الأشخاص الذين تعرضوا لفترة أطول لانخفاض استهلاك السكر في طفولتهم المبكرة.

ويرتبط هذا البروتين بوظائف معينة في الجهاز المناعي، واعتبر الباحثون الاختلاف في مستوياته مؤشرًا إضافيًا على وجود فروق في بعض جوانب الشيخوخة على المستوى الخلوي.

لكن هذه النتائج لا تعني أن مستوى هذا البروتين وحده يمكن استخدامه للحكم على صحة الشخص أو عمره البيولوجي.

تأثير التغذية المبكرة قد يمتد إلى العادات الغذائية

وجد الباحثون أن الاختلافات لم تقتصر على المؤشرات الصحية، بل ظهرت أيضًا في العادات الغذائية خلال مرحلة البلوغ.

فالأشخاص الذين عاشوا فترة أطول من طفولتهم المبكرة في ظل تقنين السكر كانوا في نحو سن الخمسين يميلون إلى استهلاك كميات أقل من السكر والطعام عمومًا، كما اتسمت أنظمتهم الغذائية بدرجة أكبر من التنوع.

ويطرح الباحثون احتمال وجود عاملين وراء هذه العلاقة؛ الأول بيولوجي يتعلق بتأثير التغذية المبكرة في تطور عملية الأيض والأعضاء والجهاز المناعي، والثاني سلوكي يتمثل في إمكانية استمرار بعض تفضيلات الطعام التي تتشكل خلال السنوات الأولى من الحياة.

هل تقليل السكر في الطفولة يقي من الأمراض مستقبلًا

تنسجم هذه النتائج مع أبحاث أخرى اعتمدت على بيانات فترة تقنين السكر في بريطانيا، ووجدت ارتباطات بين انخفاض التعرض للسكر في بداية الحياة وتراجع بعض المخاطر الصحية في مراحل لاحقة، بما في ذلك السكري من النوع الثاني وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى مؤشرات مرتبطة بأمراض القلب والسكتة الدماغية وبعض الأمراض العصبية.

لكن من المهم التأكيد على أن هذه النتائج لا تثبت أن تقليل السكر في أول عامين يمنع السرطان أو يبطئ الشيخوخة بشكل مباشر، إذ إن الدراسات التي تعتمد على ظروف تاريخية مثل تقنين الغذاء قد تتأثر بعوامل أخرى مرتبطة بالبيئة ونمط الحياة.

كما أن النتائج لا تعني أن الأطفال يجب أن يتوقفوا عن تناول السكر تمامًا، ولا تعني أن تقنين السكر كان نظامًا غذائيًا مثاليًا.

ما أهمية الدراسة

تكمن أهمية البحث في أنه يضيف إلى الأدلة العلمية التي تشير إلى أن البيئة الغذائية خلال المراحل الأولى من الحياة قد تترك آثارًا طويلة الأمد، ليس فقط على النمو، وإنما أيضًا على بعض جوانب الصحة والعادات الغذائية في مرحلة البلوغ.

وبالتالي، فإن السنوات الأولى من الحياة قد تكون أكثر أهمية مما تبدو عليه، خاصة فيما يتعلق بتكوين العادات الغذائية وتطور عملية الأيض والجهاز المناعي.

وفي النهاية، لا يتذكر الإنسان ما تناوله خلال أول عامين من حياته، لكن هذه الدراسة تشير إلى احتمال أن تحتفظ أجسامنا وعاداتنا الغذائية ببعض آثار تلك المرحلة المبكرة لسنوات طويلة.