من غوغول إلى الطب الحديث.. كيف اكتُشف الفصام؟
لم يُكتشف الفصام أو يُصنف باعتباره اضطرابًا نفسيًا واضح المعالم في مرحلة واحدة، وإنما مر فهمه بمراحل طويلة بدأت بملاحظات قديمة حول اضطرابات غير معتادة في التفكير والإدراك والسلوك، وصولًا إلى وضع معايير طبية أكثر دقة لتشخيصه.
ووفقًا لتقرير نشرته المجلة الطبية البريطانية BMJ وأتاحه المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية NCBI، ظهرت واحدة من أقدم وأشمل الصور الأدبية التي تتضمن أعراضًا تتشابه مع ما يعرف اليوم بالفصام في قصة «مذكرات رجل مجنون» للكاتب الروسي نيكولاي غوغول، التي نشرت عام 1834.
كيف بدأ التعرف على الفصام
لم يكن الأطباء في الماضي يستخدمون مصطلح «الفصام»، كما لم تكن هناك معايير تشخيصية واضحة كتلك المستخدمة في الطب النفسي الحديث.
وكانت الاضطرابات النفسية توصف بصورة عامة، الأمر الذي جعل التمييز بين الفصام وغيره من الاضطرابات أمرًا صعبًا.
ومع تطور الطب النفسي خلال القرن التاسع عشر، بدأ الأطباء في ملاحظة حالات تعاني اضطرابات مستمرة في التفكير والإدراك والسلوك، إلى جانب تراجع القدرة على العمل والتفاعل الاجتماعي.
ما أول حالة ارتبطت تاريخيًا بالفصام
تُعد شخصية أكسنتي بوبريشين في قصة غوغول من أبرز الشخصيات الأدبية القديمة التي جرى تحليلها باعتبارها تقدم وصفًا قريبًا من بعض أعراض الفصام.
وتدور القصة حول موظف حكومي يبدأ في تجربة اضطرابات في إدراك الواقع، من بينها اعتقاده بأنه يسمع الكلاب تتحدث، قبل أن تتطور حالته إلى اعتقاد راسخ بأنه ملك.
ويتزامن ذلك مع تغيرات واضحة في سلوكه وقدرته على أداء عمله والتفاعل مع المحيطين به.
ويرى الباحث الذي درس الشخصية أن الأعراض التي ظهرت عليها تتشابه مع عدد من السمات المعروفة حاليًا في الفصام، مثل الهلاوس والأوهام واضطراب التفكير والسلوك.
لكن من المهم التأكيد أن هذه الشخصية ليست حالة طبية موثقة لشخص حقيقي، وإنما شخصية أدبية، ولذلك لا يمكن اعتبارها أول حالة فصام مؤكدة في التاريخ.
هل ظهرت أوصاف مشابهة قبل غوغول
تشير بعض الدراسات التاريخية إلى وجود أوصاف أدبية أقدم يمكن أن تتشابه بعض سماتها مع الأعراض المرتبطة بالفصام، ومن بينها شخصية «توم المسكين المجنون» في مسرحية «الملك لير» للكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير.
ومع ذلك، فإن تشخيص الشخصيات التاريخية أو الأدبية بأثر رجعي يظل أمرًا غير مؤكد، لأن المفاهيم الطبية والمعايير التشخيصية الحديثة لم تكن موجودة في تلك الفترات.
كما أن بعض الأعراض التي تبدو مشابهة لأعراض الفصام قد تحدث في سياق اضطرابات نفسية أو عصبية أخرى.
متى أصبح الفصام مرضًا معروفًا في الطب
شهد القرن التاسع عشر تطورًا مهمًا في تصنيف الاضطرابات النفسية، وكانت أعمال الطبيب الألماني إميل كريبلين من أبرز المحطات في هذا المجال.
واستخدم كريبلين مفهوم «الخرف المبكر» لوصف مجموعة من الاضطرابات الذهانية التي ارتبطت لاحقًا بالتطور التاريخي لمفهوم الفصام.
وفي بدايات القرن العشرين، قدم الطبيب السويسري يوجين بليولر مصطلح Schizophrenia، أو «الفصام»، لوصف مجموعة من الاضطرابات التي اعتبرها مختلفة عن التصور السابق للمرض.
ومن هنا، لم يكن اكتشاف الفصام مرتبطًا بمريض واحد أو لحظة محددة، وإنما تطور فهم الاضطراب تدريجيًا، بدءًا من الأوصاف التاريخية والأدبية للاضطرابات النفسية، وصولًا إلى التصنيف الطبي والمعايير التشخيصية الحديثة.
الفصام.. من الوصف الأدبي إلى التشخيص الطبي
ويكشف تاريخ الفصام عن مدى تطور فهم الطب للاضطرابات النفسية؛ فما كان يُوصف قديمًا بصورة عامة باعتباره «جنونًا» أو اضطرابًا في العقل، أصبح مع مرور الوقت موضوعًا للبحث الطبي والتصنيف العلمي.
لذلك، فإن الحديث عن «أول مريض فصام» في التاريخ يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، خاصة عند الاستناد إلى شخصيات أدبية أو أوصاف تاريخية لا تتوافر لها سجلات طبية يمكن التحقق منها.
