تحليل B12 طبيعي لكن المرض موجود.. دراسة تكشف سرًا جديدًا لأمراض الحبل الشوكي
كشفت دراسة علمية حديثة عن سبب محتمل لبعض حالات اعتلال الحبل الشوكي مجهول السبب، يتمثل في وجود أجسام مضادة ذاتية قد تعطل وصول فيتامين B12 إلى الجهاز العصبي المركزي، رغم أن مستويات الفيتامين في الدم تبدو طبيعية.
وتوصل الباحثون إلى وجود جسم مضاد يستهدف مستقبلًا يعرف باسم CD320، وهو بروتين يساعد الخلايا على استقبال فيتامين B12، ما قد يؤدي إلى ما يشبه النقص الوظيفي للفيتامين داخل الجهاز العصبي حتى في غياب النقص التقليدي الذي يظهر في تحاليل الدم.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية JAMA Neurology، وفتحت الباب أمام تفسير مناعي محتمل لجزء من حالات اعتلال الحبل الشوكي التي يصعب تحديد سببها باستخدام الفحوصات المعتادة.
تحليل B12 طبيعي.. فكيف تحدث المشكلة
يُعد فيتامين B12 من العناصر الأساسية للحفاظ على صحة الجهاز العصبي وتكوين خلايا الدم، ويمكن أن يؤدي نقصه إلى مجموعة من المشكلات العصبية.
لكن الدراسة تناولت حالة مختلفة؛ إذ قد يكون مستوى B12 في الدم ضمن المعدلات الطبيعية، بينما لا تستفيد الخلايا العصبية منه بصورة كافية.
ويرتبط ذلك، وفق الفرضية التي بحثتها الدراسة، بوجود أجسام مضادة تستهدف مستقبل CD320، وهو أحد المستقبلات التي تساعد الخلايا على استقبال فيتامين B12.
وعندما تؤثر هذه الأجسام المضادة في وظيفة المستقبل، يمكن أن يحدث خلل في الاستفادة من الفيتامين داخل الجهاز العصبي المركزي، ما يفسر ظهور أعراض عصبية لدى بعض المرضى رغم عدم وجود نقص واضح في تحليل B12 بالدم.
ما هو اعتلال النخاع مجهول السبب
ركز الباحثون على حالات تعرف باسم Idiopathic Myelopathy أو اعتلال النخاع مجهول السبب، وهي حالات يحدث فيها خلل أو ضرر في الحبل الشوكي، لكن السبب لا يكون واضحًا رغم إجراء مجموعة من الفحوصات الطبية والتصويرية.
وتشير الدراسة إلى أن نسبة من حالات اعتلال النخاع تظل دون تفسير واضح، وهو ما دفع الباحثين إلى البحث عن أسباب مناعية قد تكون غير مكتشفة في بعض المرضى.
ومن هنا جاء الاهتمام بالأجسام المضادة التي تستهدف مستقبلات مرتبطة بعملية نقل واستخدام فيتامين B12 داخل الجهاز العصبي.
اكتشاف أجسام مضادة تستهدف مستقبل CD320
بدأ الباحثون بفحص عينات من مرضى يعانون من اعتلال النخاع مجهول السبب، واستخدموا تقنيات متقدمة للكشف عن الأجسام المضادة غير المعتادة.
وفي مجموعة الاكتشاف، التي ضمت 32 مريضًا، وجد الباحثون أجسامًا مضادة تستهدف مستقبل CD320 لدى 18 مريضًا، أي نحو 56% من أفراد المجموعة.
وكانت هذه النتيجة لافتة، خصوصًا مع وجود مؤشرات على انخفاض مستويات فيتامين B12 النشط في السائل الدماغي الشوكي لدى المرضى الذين يحملون هذه الأجسام المضادة مقارنة بالمجموعة الضابطة.
وتدعم هذه الملاحظة فرضية وجود مشكلة في إتاحة B12 للجهاز العصبي، وليس بالضرورة نقصًا في كمية الفيتامين الموجودة في الدم.
تغيرات مميزة ظهرت في الحبل الشوكي
لم يقتصر الاختلاف بين المرضى على وجود الأجسام المضادة، إذ لاحظ الباحثون أيضًا أن المرضى الذين ثبتت لديهم أجسام Anti-CD320 كانوا أكثر عرضة لظهور المرض بصورة تحت حادة.
كما أظهرت فحوصات الرنين المغناطيسي أنماطًا معينة من التغيرات في الحبل الشوكي.
وظهرت تغيرات في الجزء الخلفي الجانبي من الحبل الشوكي لدى 61% من المرضى الإيجابيين للأجسام المضادة، مقارنة بنحو 7% فقط لدى المرضى الذين لم تظهر لديهم هذه الأجسام المضادة.
وقد تساعد هذه النتائج مستقبلًا في تحديد نمط معين من المرضى الذين يعانون من اعتلال النخاع مجهول السبب، خاصة عندما تتشابه الأعراض أو نتائج الأشعة مع تلك المرتبطة بنقص B12.
النتائج تكررت في مجموعتين إضافيتين
ولزيادة قوة النتائج، لم يكتف الباحثون بمجموعة الاكتشاف الأولى، بل اختبروا وجود أجسام Anti-CD320 في مجموعتين إضافيتين.
وضمت المجموعة الأولى 91 مريضًا، بينما ضمت الثانية 25 مريضًا.
وظهرت الأجسام المضادة لدى نحو 45% من أفراد المجموعة الأولى و48% من أفراد المجموعة الثانية، ما دعم وجود ارتباط بين هذه الأجسام المضادة وبعض حالات اعتلال النخاع مجهول السبب.
ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا تعني أن Anti-CD320 هو السبب الوحيد لجميع حالات اعتلال النخاع مجهول السبب، إذ أمكن العثور على الجسم المضاد أيضًا لدى نسبة صغيرة من أشخاص يعانون من أمراض عصبية أو مناعية أخرى.
هل يمكن أن يساعد فيتامين B12 في العلاج
من أكثر النتائج التي أثارت اهتمام الباحثين ما حدث لدى مجموعة صغيرة من المرضى الذين ثبتت لديهم الأجسام المضادة.
فقد تلقى 5 مرضى مكملات فيتامين B12، مع أو دون علاج مثبط للمناعة، وأظهر 4 من أصل 5 مرضى تحسنًا سريريًا بعد العلاج.
لكن هذه النتيجة تحتاج إلى تفسير حذر؛ فعدد المرضى كان صغيرًا جدًا، كما أن بعضهم تلقى علاجات أخرى إلى جانب B12.
وبالتالي، لا يمكن اعتبار هذه النتائج دليلًا قاطعًا على أن مكملات B12 وحدها تعالج هذا النوع من اعتلال النخاع، وإنما تمثل إشارة تستحق الدراسة في أبحاث أكبر وأكثر تنظيمًا.
هل تحليل B12 في الدم يكشف المشكلة دائمًا
تشير الدراسة إلى أن الاعتماد على مستوى B12 في الدم وحده قد لا يكشف جميع صور اضطراب الاستفادة من الفيتامين داخل الجهاز العصبي.
ففي الحالة التي بحثها العلماء، المشكلة المحتملة ليست بالضرورة نقص كمية B12 في الدورة الدموية، وإنما وجود خلل في وصول الفيتامين إلى الخلايا العصبية بسبب استهداف مستقبل CD320 بواسطة الأجسام المضادة.
وهذا يطرح مفهومًا مهمًا في الطب، وهو أن المستوى الطبيعي لمادة معينة في الدم لا يعني دائمًا أن الخلايا تستفيد منها بصورة طبيعية في كل الظروف.
هل أصبح فحص Anti-CD320 ضروريًا لكل مريض
لا.
الدراسة لا تعني أن جميع الأشخاص الذين يعانون من أعراض عصبية يحتاجون إلى إجراء فحص Anti-CD320 أو تحليل B12 في السائل الدماغي الشوكي.
كما أن هذه الفحوص ليست بديلًا عن التقييم الطبي المعتاد، ولا تزال نتائج الدراسة بحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد المرضى الأكثر استفادة من هذه الاختبارات، ومدى دقتها، وكيف يمكن دمجها في الممارسة الطبية اليومية.
ما أعراض أمراض الحبل الشوكي
يمكن أن تختلف أعراض إصابات أو اضطرابات الحبل الشوكي بحسب المنطقة المتأثرة وشدة الحالة، وقد تشمل:
- ضعف أو ثقل في الذراعين أو الساقين.
- تنميل أو تغير في الإحساس.
- صعوبة في المشي أو الحفاظ على التوازن.
- تيبس أو اضطراب في حركة الأطراف.
- اضطرابات في بعض وظائف الجسم، بحسب موقع الإصابة.
لكن وجود هذه الأعراض لا يعني تلقائيًا وجود نقص فيتامين B12 أو أجسام مضادة لـCD320، إذ توجد أسباب عديدة ومختلفة يمكن أن تؤدي إلى أعراض مشابهة.
لماذا تمثل الدراسة أهمية طبية
تكمن أهمية النتائج في أنها تقدم تفسيرًا مناعيًا محتملًا لبعض حالات اعتلال الحبل الشوكي التي ظلت دون سبب واضح، كما تشير إلى احتمال وجود حالات يكون فيها فيتامين B12 موجودًا في الدم بمستويات طبيعية، لكن الاستفادة منه داخل الجهاز العصبي تكون مضطربة.
وقد يؤدي تأكيد هذه الآلية في دراسات مستقبلية إلى تطوير طرق أكثر دقة لتشخيص بعض حالات اعتلال النخاع، وربما تحديد المرضى الذين يمكن أن يستفيدوا من استراتيجيات علاجية موجهة.
تقدم الدراسة دليلًا أوليًا على أن الأجسام المضادة التي تستهدف مستقبل CD320 قد تكون مرتبطة ببعض حالات اعتلال الحبل الشوكي مجهول السبب، من خلال التأثير في وصول فيتامين B12 إلى الجهاز العصبي المركزي.
لكن النتائج لا تعني أن كل حالة من حالات اعتلال النخاع سببها نقص B12 أو Anti-CD320، ولا أن تناول مكملات B12 يمثل علاجًا مثبتًا لهذه الحالات.
وتبقى الحاجة قائمة إلى دراسات أكبر لتأكيد العلاقة، وفهم آلية المرض بصورة كاملة، وتحديد أفضل طرق التشخيص والعلاج للمرضى الذين يحملون هذه الأجسام المضادة.
